تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
الغسل ، فقد كانوا في العصر الأول يصلون في الفراء المدبوغة ولم يعلم منهم من فرق بين المقصورة والمدبوغة في الطهارة والنجاسة ، بل كانوا يجتنبون النجاسة إذا شاهدوها ولا يدققون نظرهم في استنباط الاحتمالات الدقيقة ، بل كانوا يتأملون في دقائق الرياء والظلم حتى قال سفيان الثوري لرفيق له كان يمشي معه فنظر إلى باب دار مرفوع معمور : لا تفعل ذلك فإن الناس لو لم ينظروا إليه لكان صاحبه لا يتعاطى هذا الإسراف . فالناظر إليه معين له على الاسراف . فكانوا يعدون جمام الذهن لاستنباط مثل هذه الدقائق لا في احتمالات النجاسة . فلو وجد العالم عاميا يتعاطى له غسل الثياب محتاطا فهو أفضل فإنه بالإضافة إلى التساهل خير . وذلك العامي ينتفع بتعاطيه إذ يشغل نفسه الأمارة بالسوء بعمل المباح في نفسه فيمتنع عليه المعاصي في تلك الحال . والنفس إن لم تشغل بشيء شغلت صاحبها ، وإذا قصد به التقرب إلى العالم صار ذلك
شرح
وأمثال ذلك وساوس ونزعات أجارنا اللّه منها . وقد ذكر ابن حجر المكي في شرح الشمائل : إن من البدع المذمومة غسل الثوب الجديد قبل لبسه ، ( فقد كانوا في العصر الأوّل يصلّون في الفراء ) أي الجلود ( المدبوغة ) من غير أن يسألوا من دبغها وكيف دبغها وبأي شيء دبغها وهل خالطها النجاسة في أيام دباغها أم لا ؟ ( وكم من الفرق بين ) الفراء ( المدبوغة و ) بين الثياب ( المقصورة ) وفي نسخة بين المدبغة والمقصرة ( في الطهارة والنجاسة ، بل كانوا ) إنما ( يجتنبون النجاسة إذا شاهدوها ) بأبصارهم ( ولا يدققون نظرهم في استنباط الاحتمالات الدقيقة ) والأوجه المختلفة ، ( بل كانوا يتأملون في دقائق ) مسائل ( الرياء والظلم ) أي الشرك الخفي ، ( حتى قال ) الإمام أبو عبد اللّه ( سفيان ) بن سعيد ( الثوري ) رحمه اللّه تعالى ( لرفيق له كان يمشي معه ) في زقاق من أزقة الكوفة ، ( فنظر إلى باب دار مرفوع ) البناء ( معمور ) بالناس ( لا تفعل ذلك ) أي لا تنظر إلى هذا . فقال له : هل فيه من بأس ؟ قال : نعم ( فإن الناس لو لم ينظروا إليه ) على سبيل التفرج ( لكان صاحبه لا يتعاطى هذا الإسراف ) في عمارته ورفعته ونقشه وتحسينه ، ( فالنظر إليه معين له على الإسراف ) . هكذا أخرجه صاحب القوت ، ( فكانوا يعدون ) أي يهيئون ( جمام الذهن ) بكسر الجيم ما يستبقي منه ( لاستنباط مثل هذه الدقائق ) الخفية في حفظ الباطن والظاهر ( لا في احتمال النجاسات ) ودقائقها ، ( فلو وجد العالم ) أو العامل رجلا ( عاميا ) أي من عامة الناس الذي ليس له اشتغال بالعلم ولا بالعمل ، وإنما هو مقتصر على أداء ما فرض عليه من الصلوات وغيرها ( يتعاطى له غسل الثياب ) بنفسه حالة كونه ( محتاطا ) في طهارته ونظافته ( فهو أفضل له ) وأحسن ، ( فإنه بالإضافة ) أي بالنسبة ( إلى التساهل خير ، وذلك العامي ) مع ذلك ( ينتفع بتعاطيه ) غسلها ( إذ يشغل نفسه الامارة بالسوء بعمل مباح في نفسه ) لا مؤاخذة عليه فيه شرعا ( فتمتنع عليه المعاصي ) والمناهي والملاهي ( في تلك الحال ) . ومن المعلوم ( أن النفس