وأما أهل العلم والعمل ، فلا ينبغي أن يصرفوا من أوقاتهم إليه إلّا قدر الحاجة فالزيادة عليه منكر في حقهم وتضييع العمر الذي هو أنفس الجواهر وأعزها في حق من قدر على الانتفاع به . ولا يتعجب من ذلك فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين .
ولا ينبغي للبطال أن يترك النظافة وينكر على المتصوفة ويزعم أن يتشبه بالصحابة ، إذ التشبه بهم في أن لا يتفرغ إلا لما هو أهم منه ، كما قيل لداود الطائي : لم لا تسرح لحيتك ؟ قال : إني إذا لفارغ . فلهذا لا أرى للعالم ولا للمتعلم ولا للعامل أن يضيع وقته في غسل الثياب احترازا من أن يلبس الثياب المقصورة وتوهما بالقصار تقصيرا في
شرح
وجل ) في الجملة ( و ) أيضا يجدد ( ذكر العبادات ) فإنه ما من طهارة إلا ويراعى فيها شأن العبادة التي تقع بعدها ، كصلاة قراءة أو قرآن أو سماع حديث وغير ذلك ، ( فلا بأس به ) لهؤلاء ( إذا لم يخرج عن حد ) الاعتدال والعرف ( إلى منكر ) شرعي أو عرفي ( أو اسراف ) أو تبذير أو ترتب مفسدة .
( وأما أهل العلم ) الذين يرتاضون في تحصيل العلم تعلما وتعليما وبذلا لأهله وتأليفا ، ( و ) أما أهل ( العمل ) فهم المشتغلون بالذكر والمراقبة والمحافظة على العبادات ، ( فلا ينبغي أن يصرف من أوقاتهم إليه إلا قدر الحاجة ) إليه ( والزيادة عليه في حقهم منكر وتضييع العمر الذي هو أنفس الجواهر ) وأغلاها ( وأعزها في حق من قدر على الانتفاع به ) ومحافظة العمر عندهم كناية عن محافظة الأوقات بحفظ الأنفاس عن خطور خيال السوى عليها وهو من أهم المهمات وأوكد الواجبات ، ( ولا تعجب من ذلك فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين ) . قال الحافظ السخاوي في المقاصد : هو من كلام أبي سعيد الخراز رواه ابن عساكر في ترجمته مرفوعا . ( فلا ينبغي للبطال أن يترك النظافة ) الظاهرية ( وينكر على ) طائفة ( المتصوّفة ) في تجملهم في هيئاتهم بالمرقعات النفيسة ( ويزعم أنه ) في بذاذته ورثاثة أطماره ( يتشبه بالصحابة ) رضوان اللّه عليهم وبالسلف الماضين من التابعين وهذا بعيد جدا ( إذ التشبه بهم في أن لا يتفرغ له بما ) وفي نسخة : لما ( هو أهم منه كما قيل لداود ) بن نصير ( الطائي ) ابن سليمان المتوفي سنة 160 حين رآه رجل ولحيته متشعثة : ( لو سرحت لحيتك ) وفي بعض النسخ : لم لا تسرح لحيتك ؟ ( قال ) ، وفي نسخة : فقال : ( إني إذا لفارغ ) أي بطّال ( فلهذا لا أرى للعالم ) المشتغل بعلمه تعلما وتعليما ( ولا للعامل ) بعلمه ( أن يضيع وقته ) النفيس ( في غسل الثياب ) بنفسه ( احترازا من أن يلبس الثياب المقصورة ) التي قصرها القصّار ( توهما بالقصار تقصيره في ) قصرها و ( الغسل ) لها . وهذه وسوسة كبيرة اعترت بعض العلماء الصالحين ، ولقد أدركت بعض مشايخي لم يكن يلبس من هذه الثياب التي تعمل من الصوف وتصبغ ألوانا وتجلب من الروم حتى يغسلها في البحر ثلاث مرات توهما منه أنها من شغل النصارى ، وأن أياديهم متنجسة ، وأن تلك الاصباغ لا تسلم من مخالطتها بالنجاسات ، فهذا