تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
المنزلة على رسله عليهم السّلام ، وأن القرآن مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب ، وأنه مع ذلك قديم قائم بذات اللّه تعالى ، لا يقبل الانفصال والافتراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق ، وأن موسى صلّى اللّه عليه وسلّم سمع كلام اللّه بغير
شرح
قدماء الأشاعرة : إن كلام المخلوق حروف وأصوات لأنه تكون لها مخارج الحروف والأصوات ، وكلام اللّه ليس بحروف ولا أصوات لأنه غير موصوف بمخارج الحروف والأصوات ، وإذا قرأ القارئ منا كلام اللّه تعالى فقراءته حروف وصوت ، ومقرؤه ليس بحروف ولا أصوات . وهذا القول هو اختيار أكثر أصحاب الحديث . قال أبو منصور البغدادي : وبه نقول . وقال الإمام أبو المعالي : مذهب أهل الحق جواز سماع ما ليس بحرف ولا صوت أي فهو منزه عن جميع ما تقدم لأنه قديم ، والقديم لا يوصف بأوصاف الحوادث وكيفيته مجهولة لنا ، كما لا نحيط بذاته وبجميع حقائق صفاته ، فليس لأحد أن يخوض في الكنه بعد معرفة ما يجب لذاته تعالى ولصفاته ( وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كتبه المنزلة على رسله ) أي الحروف إنما هي عبارة عنه ، والعبارة غير المعبر عنه ، فلذلك اختلفت باختلاف الألسنة ، وإذا عبرت عن تلك الصفة القائمة بذاته تعالى بالعربية فقرآن ، وبالعبرانية فتوراة ، وبالسريانية فإنجيل وزبور ، والاختلاف في العبارات دون المسمى ، فحروف القرآن حادثة والمعبر عنه بها هو المعنى القائم بذات اللّه تعالى قديم ، فالتلاوة والقراءة والكتابة حادثة ، والمتلو والمقروء والمكتوب قديم أي : ما دلت عليه الكتابة والقراءة والتلاوة كما إذا ذكر اللّه بألسنة متعددة ولغات مختلفة فإن الذكر حادث والمذكور وهو رب العباد قديم ، ( وأن القرآن ) كلام اللّه تعالى غير مخلوق وأنه مسموع بالآذان ( مقروء بالألسنة ) . قال الخراشي في شرحه على أم البراهين : الفرق بين التلاوة والقراءة أن التلاوة أخص من القراءة لأن التلاوة لا تكون في كلمة واحدة ، والقراءة تكون فيها تقول فلان قرأ اسمه ولا تقول تلا اسمه ، فالقراءة اسم لجنس هذا الفعل ( مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب والصدور وأنه مع ذلك قديم ) لا يوصف بالحدوث والخلق ( قائم بذات اللّه تعالى ) لإتفاقهم على ذلك ، وهذا كله حق واجب الإيمان به لأن القرآن يقال عليه الكلام . فيقال : على المعنى القائم بذاته عز شأنه المعبر عنه باللسان العربي المبين ، ومعنى الإضافة في قولنا كلام اللّه تعالى إضافة الصفة إلى الموصوف كعلم اللّه ، والقرآن بهذا المعنى قديم قطعا ، ويقال على الكلام العربي المبين الدال على هذا المعنى القديم ، ومعنى الإضافة على هذا التقدير هي معنى إضافة الفعل إلى الفاعل كخلق اللّه ورزقه وكلا الإطلاقين حقيقة على المختار خلافا لمن زعم أنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر ، ومعنى أن القرآن مسموع بما يدل عليه وهو العبارة متلو بالألسنة ، كذلك محفوظ بالرقوم والخطوط الحسية ، والحاصل أنه مسموع بما يدل عليه من الحروف المرسومة في قوة السمع مكتوب بما يدل عليه رقما متلو بما يدل عليه نطقا محفوظ بما يدل عليه تخيلا ، وهذا كما يقال اللّه مذكور بالألسنة معناه مذكور بما يدل عليه من حيث النطق اللساني ، وسيأتي لذلك بحث في الرسالة القدسية . ( لا يقبل الانفصال والافتراق بالانتقال إلى القلوب