تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
أكلنا الغمر مسحنا بها » ، ويقال : أوّل ما ظهر من البدع بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أربع :
شرح
الكسائي الميم والغمر بالفتح الدسم . ( ويقال : أول ما ظهر من البدع بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أربعة : المناخل والأشنان والموائد والشبع ) . ونص القوت ويقال : إن أوّل ما أحدث من البدع أربع : الموائد والمناخل والشبع والأشنان ، وكانوا يكرهون أن تكون أواني البيت غير الخزف ولا يتوضأ أهل الورع في آنية الصفر . قال الجنيد ، قال سري : اجهد لا تستعمل من آنية بيتك إلا جنسك يعني من الطين ، ويقال : لا حساب عليه اه . والمناخل جمع منخل بضم الميم ما ينخل به وهو من النوادر التي وردت بالضم والقياس الكسر لأنه آلة ، والأشنان تقدم التعريف به ، والموائد جمع مائدة مشتقة من ماد الناس ميدا أعطاهم فاعلة بمعنى مفعولة ، لأن المالك مادها للناس أي أعطاهم إياها . وقيل : من ماد ميدا إذا تحرك فهي اسم فاعل على الباب ، وقيل : هو الخوان بالكسر والضم ، والإخوان بكسر الهمزة لغة فيه وقيل : الخوان المائدة ما لم يكن عليها طعام ، والخوان معرب ، ثم أن الأكل على الخوان من عادة المتكبرين والمترفهين إحرازا عن خفض رؤوسهم ، فالأكل عليه بدعة لكنها جائزة . وقد روى الترمذي عن أنس : « ما أكل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على خوان » ، وروي أيضا أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أكل على المائدة ، والجمع بينهما أن أنسا قال بحسب علمه فيكون أكثر أحواله انه لم يأكل على خوان . وفي بعض الأحيان أكل عليه لبيان الجواز ، ويحتمل أن يراد بالمائدة مطلق السفرة . وفي القاموس المائدة الطعام فإطلاقها على ما يجعل عليه مجاز من اطلاق الحال على المحل ، وحينئذ فلا إشكال أصلا نقله ابن حجر المكي في شرح الشمائل . قلت : وعلى هذا قول المصنف تبعا لصاحب القوت أن الموائد من جملة البدع بمعنى الاستكثار من استعمالها بحيث اعتادوا الأكل عليها ، فهذا هو المبتدع لا أن الموائد لم تكن موجودة يستعملها الناس في بعض الأحيان ، وأما المناخل فإنها جعلت لنخل الدقيق ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأهل بيته وأصحابه كانوا يأكلون خبز الشعير مع ما في دقيقه من النخالة وغيرها . وفي هذا ترك للتكلف والاعتناء بشأن الطعام فإنه لا يعتني به إلا أهل الحماقة والغفلة والبطالة . وعند الترمذي من حديث أنس ما رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم منخلا من حين ابتعثه اللّه حتى قبضه . قال ابن حجر المكي ، قال بعض المحققين : أظنه احترز عما قبل البعثة لكونه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يسافر في تلك المدة إلى الشام تاجرا وكانت الشام إذ ذاك مع الروم والخبز النقي عندهم كثير ، وكذا المناخل وغيرها من آلات الترفه ، ولا ريب أنه رأى ذلك عندهم ، وأما بعد البعثة فلم يكن إلا بمكة والطائف والمدينة ووصل تبوك من أطراف الشام لكن لم يفتحها ولا طالت إقامته بها اه . والشبع : بكسر ففتح الامتلاء الحاصل من الطعام . يقال : شبع شبعا ، والشبع بكسر فسكون اسم لما يشبع به من خبز ولحم ، وعدّه من جملة البدع لكونه من أوصاف المترفهين ، والسلف الصالح لم يكونوا يأكلون إلا عند الاضطرار ، وإذا أكلوا لم يشبعوا . وفي القوت : وكان أبو محمد سهل يقول : اجتمع الخير كله في هذه الأربع الخصال ، وبها صار الأبدال أبدالا اخماص البطون ،