تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
أصابعهم بأخمص أقدامهم ، وعدوّا الأشنان من البدع المحدثة ، ولقد كانوا يصلون على الأرض في المساجد ويمشون حفاة في الطرقات ، ومن كان لا يجعل بينه وبين الأرض حاجزا في مضجعه كان من أكابرهم ، وكانوا يقتصرون على الحجارة في الاستنجاء . وقال أبو هريرة وغيره من أهل الصفة : « كنا نأكل الشواء فتقام الصلاة فندخل
شرح
عقيبها ، ( بل كانوا يمسحون أصابعهم ) بعد الأطعمة ( بأخمص أقدامهم ) أي بواطنها . وقد خمصت القدم خمصا من باب تعب ارتفعت عن الأرض فلم تمسها . فالرجل أخمص القدم والجمع خمص كأحمر وحمر لأنه صفة ، فإن جمعت القدم نفسها قلت الأخامص . ( وعدوا ) غسل اليد بعد الطعام ( بالأشنان من البدع المحدثة ) التي أحدثت بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . والأشنان : بالضم والكسر الحرض معرب وتقديره فعلان ، ( ولقد كانوا يصلون على الأرض ) من غير حاجز ( في المساجد ) . وكان مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مفروشا بالحصباء والرمل ، وأول من فرش المساجد بالحصر الحجاج فأنكروا عليه ، وصلى قتادة مرة على حصير في المسجد وكان كفيفا فدخلت شوكة الحصير في عينه عند السجود فلعن الحجاج ، ( ويمشون ) غالبا ( حفاة ) أي من غير نعل ( في الطرقات ) جمع الطريق ، ( ومن كان لا يجعل بينه وبين التراب حاجزا ) أي مانعا ( في مضجعه ) ومقعده ( كان ) يعد ( من أكابرهم ) ورؤسائهم ، لأنه علامة دالة على التواضع وترك التكلف في المعيشة وعدم الاعتناء بها . ( وكانوا يقتصرون على الحجارة في الاستنجاء ) ولا يتبعونها ماء . وقد ثبت الاقتصار على الحجارة من فعله صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك ما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ، فلما قضى صلّى اللّه عليه وسلّم اتبعه بهن أي ألحق المحل بالأحجار وكنى به عن الاستنجاء ، وأخرجه ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن حذيفة بن اليمان أنه سئل عن الاستنجاء بالماء فقال : إذا لا يزال في يدي نتن ، وعن نافع عن ابن عمر كان لا يستنجي بالماء ، وعن الزهري ما كنا نفعله ، وعن سعيد بن المسيب أنه سئل عن الاستنجاء بالماء فقال إنه وضوء النساء . فهذه الآثار كلها دالة على أنهم كانوا يقتصرون في غالب الأوقات على الأحجار ، ولا سبيل لمن تمسك بها على كراهة الاستنجاء بالماء ، فقد ثبت من فعله صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك أيضا ، وذلك فيما رواه البخاري في صحيحه من حديث أنس كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام معنا أداوة من ماء يعني ليستنجي به . وأخرج مسلم من طريق خالد الحذاء عن عطاء عن أنس فخرج علينا وقد استنجى بالماء . وأخرج ابن خزيمة في صحيحه من حديث جرير ، فأتاه جرير بأداوة من ماء فاستنجى بها . وفي صحيح ابن حبان من حديث عائشة : ما رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خرج من غائط قط إلا من ماء . فما ذكره المصنف من أحوال السلف يحمل على أغلب أحوالهم ، والمراد أنهم ما كانوا يتعمقون في أمر الاستنجاء . ( وقال أبو هريرة وغيره من أهل الصفة رضي اللّه عنهم ) : والمراد بالصفة صفة المسجد النبوي : وكان يأوي إليها جماعة من فقراء الصحابة ، وقد جمعهم أبو نعيم في كتاب الحلية وذكر من أوصافهم . ( « كنا نأكل الشواء ) أي اللحم المشوي ( فتقام الصلاة فندخل أصابعنا في الحصباء ) أي الحصيات الصغار التي في