تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 485

مساهمون:

ص٤٨٥
ولن ينال العبد الطبقة العالية إلا أن يجاوز الطبقة السافلة ، فلا يصل إلى طهارة السر عن الصفات المذمومة وعمارته بالمحمودة ما لم يفرغ من طهارة القلب عن الخلق المذموم وعمارته بالخلق المحمود ، ولن يصل إلى ذلك من لم يفرغ عن طهارة الجوارح عن المناهي وعمارتها بالطاعات ، وكلما عز المطلوب وشرف صعب مسلكه وطال طريقه وكثرت عقباته ، فلا تظن أن هذا الأمر يدرك بالمنى وينال بالهوينا ، نعم من عميت بصيرته عن تفاوت هذه الطبقات لم يفهم من مراتب الطهارة إلا الدرجة الأخيرة التي هي كالقشرة الأخيرة الظاهرة بالإضافة إلى اللب المطلوب ، فصار يمعن فيها ويستقصي في مجاريها ويستوعب جميع أوقاته في الاستنجاء وغسل الثياب وتنظيف الظاهر وطلب المياه الجارية
شرح
العالية ) منهما ( إلا أن يجاوز ) بهمته الجاذبة وقوته الماسكة الطبقة الوسطى ، ثم يستقر فيها ريثما يتمكن من الانصباغ بها وتجري عليه أحكامها ، ولن ينالها إلا أن يجاوز ( الطبقة السافلة ) بعد التمكن فيها وجريان أحكامها عليه ، ( فلا يصل إلى ) مقام ( طهارة السر عن الصفات المذمومة ) والتخلية عنها ، ثم ( عمارته بالمحمودة ) منها ( من لم يفرغ من طهارة القلب عن الخلق المذموم وعمارته بالمحمود ) على قدر المجهود ، ( ولن يصل إلى ذلك من لم يفرغ عن طهارة الجوارح ) الظاهرة ( عن المناهي ) الفاجرة ( وعمارتها بالطاعات ) الواجبة المختلفة من القيام والقراءة والركوع والسجود والقعود ، ( وكلما عز المطلب ) وفي نسخة : المطلوب ( وشرف ) مقامه ( صعب مسلكه ) على السالكين ( وطال طريقه ) على الناهجين ( وكثرت عقباته ) على الراحلين ( والعقبة ) : محركة هي الثنية بين الجبلين يصعب ارتقاؤها ، ( فلا تظنن ) أيها السالك في طريق الحق بالرقي ( أن هذا الأمر ) الذي ذكرته لك ( يدرك بالمنى ) أي بتمني النفس وتشوقها ( وينال ) وصوله ( بالهوينا ) أي بالسهولة كلا واللّه .كيف الوصول إلى سعاد ودونها * قلل الجبال ودونهن حتوفقال اللّه تعالى :لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ[ النساء : 123 ] الآية ولكن إذا وفق اللّه السالك بخدمة مرشد محق كامل ، وصادفته العناية نقله من مقام لمقام بأدنى إلمام فعليك باستصحاب إخوان الصدق والصفا لترقى مراتب الكمال وتحظى برتبة الاصطفاء ( نعم من عميت بصيرته ) أي عدم نور قلبه ( عن ) إدراك ( تفاوت هذه الطبقات ) وتمييزها وإعطاء كل مقام حقه ( لم يفهم من مراتب الطهارة إلا الدرجة الأخيرة ) وهي الأولى ( التي هي كالقشر الأخير الظاهر ) للعيان ( بالإضافة ) أي النسبة ( إلى اللب ) الذي هو داخل الداخل وهو ( المطلوب ) الأعظم ، ( فصار يمعن فيه ويستقصي في مجاريه ) أمعن في الطلب إذا بالغ في الاستقصاء والاستقصاء طلب النهاية ( ويستوعب جميع أوقاته ) أي يستغرقها ( في الاستنجاء ) بالماء والتشديد فيه ، حتى أن أحدهم لا يكتفي بالماء بل يعد لنفسه خرقا يتبعها مواضع الغائط مسحا ويبالغ فيه ، ومنهم من يدخل أصابعه في حلقة الدبر يزعم أنه كمال النظافة ، ومنهم من يمعن في الاستبراء
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 485 | مرتضى الزبيدي