تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
[ الأنعام : 91 ] لأنهما لا يجتمعان في قلب
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
[ الأحزاب : 4 ] ، وأما عمل القلب فالغاية القصوى عمارته بالأخلاق المحمودة والعقائد المشروعة ، ولن يتصف بها ما لم ينظف عن نقائضها من العقائد الفاسدة والرذائل الممقوتة ، فتطهيره أحد الشطرين وهو الشطر الأول الذي هو شرط في الثاني ، فكان الطهور شطر الإيمان بهذا المعنى ، وكذلك تطهير الجوارح عن المناهي أحد الشطرين وهو الشطر الأول الذي هو شرط في الثاني ، فتطهيره أحد الشطرين وهو الشطر الأول وعمارتها بالطاعات الشطر الثاني ، فهذه مقامات الايمان ولكل مقام طبقة
شرح
عن السوى بعد انكشاف صفة الجمال والعظمة ، وسمى احتجابهم عن هذا المقام خوضا فقال :فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ[ الأنعام : 91 ] ( لأنهما ) أي معرفة الحق والركون إلى السوى ضدان ( لا يجتمعان في قلب ) مؤمن قط فضلا من سره ( و ) يدل عليه قوله تعالى :( ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ )[ الأحزاب : 4 ] فالقلب ليس له إلا وجهة واحدة . وقد تقدم تفسير هذه الآية في كتاب العلم . ( وأما عمل القلب ) الذي هو تطهيره عن الأخلاق الذميمة ، ( فالغاية القصوى عمارته بالأخلاق المحمودة ) التي أثنى اللّه عليها في كتابه من الحمد والرضا والتسليم والشكر والصبر والحياء والخوف والخشية واليقين ، وغير ذلك مما سيأتي بيانها للمصنف ، ( والعقائد المشروعة ) أي الثابتة بالشرع المتلقاة بالسمع المصونة عن الزيغ والزلل ، فعقد القلب على مثلها مما يعمر القلب بالأنوار الإلهية والتجليات الكشفية ، ( ولن يتصف بها ) أي بتلك الأخلاق والعقائد ( ما لم يتنظف ) ويتطهر ( من نقائضها ) وأضدادها ( من العقائد الفاسدة ) الزائغة عن طريق الحق وأهله ( والرذائل المذومة ، فتطهيره ) الذي هو التحلي بعد التخلي ( أحد الشطرين وهو الشطر الأول الذي هو شرط في الثاني ) فالشطر جزء الماهية منه قوامها ، والشرط خارج عنها يلزم عن عدمه العدم ، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته ، ( فكان الطهور شطر الإيمان ) الذي أخرجه مسلم وغيره ( بهذا المعنى ) ، فكأن ماهية الإيمان عبارة عن شطرين : أحدهما التصديق الباطن ، والثاني تطهير الباطن ، ولن يحل التصديق بالحقيقة في الباطن ما لم يكن بطهارته قابلا لحلوله فيه وهو ملحظ غريب ( وكذلك ) الكلام في ( تطهير الجوارح عن المناهي ) والكف عنها ( أحد الشطرين ) وهو الشطر الأول الذي هو شرط في الثاني ( وعمارتها بالطاعات ) المقربة لرب الأرباب هو ( الشطر الثاني ) فالأول الذي جعل شطرا أولا بمنزلة الشرط في الثاني في توقفه عليه ، فتأمل . ولم يذكر للرتبة الأولى غاية لظهوره ، فإن تطهير الظاهر شطر ، وعمارته بالعبادات المفروضة شطر ، ولا يتم أداؤها إلا بالأول ، فصار الشطر الأول شرطا في الثاني . ( وهذه مقامات الإيمان ) تتفاوت بتفاوت المتصفين به ، وخلاصته : أن التخلية نصف الإيمان والتحلية نصف الإيقان وبهما كمال العرفان ، ( ولكل مقام ) منها ( طبقة ) عليا وطبقة سفلى وطبقة وسطى ( ولن ينال العبد ) السالك في طريقه ( الطبقة