إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 483
المرتبة الثالثة : تطهير القلب عن الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة . المرتبة الرابعة : تطهير السر عما سوى اللّه تعالى ، وهي طهارة الأنبياء صلوات اللّه عليهم والصديقين والطهارة في كل رتبة نصف العمل الذي فيها . فإن الغاية القصوى في عمل السر أن ينكشف له جلال اللّه تعالى وعظمته ، ولن تحل معرفة اللّه تعالى بالحقيقة في السر ما لم يرتحل ما سوى اللّه تعالى عنه . ولذلك قال اللّه عز وجل : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ جمع إثم وهي الأفعال المبطئة عن الثواب . وقال الراغب : الإثم أعم من العدوان وهي طهارة خواص المسلمين . [ المرتبة الثالثة تطهير القلب عن الأخلاق المذمومة ] ( المرتبة الثالثة تطهير القلب عن الأخلاق المذمومة ) التي ذمها الشارع ، كالبخل والكبر والعجب والتصنع وكفر النعمة والبطر والغل والغش وغيرها مما سيأتي ذكرها للمصنف ، ( والرذائل ) أي الخصال الرذيلة أي الرديئة ( الممقوتة ) أي المبغوضة عند اللّه تعالى ، والمقت أشد الغضب وهي طهارة خواص المؤمنين من العباد الصالحين . [ المرتبة الرابعة : تطهير السر ] ( المرتبة الرابعة : تطهير السر ) وهو باطن القلب ( عما سوى اللّه تعالى ) بحيث لا يخطر فيه خاطر لغير اللّه تعالى ( وهي طهارة الأنبياء ) صلوات اللّه عليهم ، فإنهم دائما في مشاهدة الحق لا ينظرون إلى سوى اللّه تعالى ، ( و ) كذلك طهارة ( الصديقين ) ومقام الصديقية تحت مقام النبوة ، ويدل لذلك قوله تعالى : مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ فالمرتبة الأول لصالحي المسلمين وهي أول درجة الولاية ، والثانية لصالحي المؤمنين وهي الدجة الثانية والثالثة درجة الشهداء وهي فوق الثانية ، والرابعة درجة الأنبياء والصديقين على طريقة التدلي . ولا يظن الظان أن هذه المراتب والدرجات سهلة هيهات لا يصل السالك إلى أول درجة الولاية إلا بعد قطع مفاوز ومهالك ، ومنهم من يموت هو في أول الطريق ، ولكن العناية الإلهية إذا ساعفت فقل فيها ما شئت . ثم قال المصنف : ( والطهارة في كل رتبة ) من الرتب المذكورة ( نصف العمل الذي فيها فإن الغاية القصوى ) تأنيث الأقصى وهي التي ما بعدها غاية ( في عمل السر ) الذي هو باطن القلب ( أن ينكشف له جلال اللّه وعظمته ) وكبرياؤه بحيث يغمر لبه فلا يرى إلا هو ولا يسمع إلا هو ، والحلال هنا التناهي في عظم القدر وخص به تعالى ، فتبارك ذو الجلال ولم يستعمل في غيره والعظمة تقرب من الجلال ، ( ولن تحل معرفة اللّه سبحانه بالحقيقة في السر ) حلولا حقيقيا ( ما لم يرتحل ما سوى اللّه عز وجل عنه ) ، ومتى انكشفت سبحات الجلال ارتفعت خطرات السوى واحترقت ، ( ولذلك قال اللّه تعالى ) مخاطبا لحبيبه صلّى اللّه عليه وسلّم : ( قل ) يا ( اللّه ثم ذرهم ) أي اتركهم هذا الاسم لكمال دلالته على الذات الأحدية كان حضرة الأسماء كلها فمن عرف اللّه عرف كل شيء ولا يعرف اللّه من فاته معرفة شيء من الأشياء لأن حكم الواحد من الأسماء حكم الكل في الدلالة على العلم باللّه وفي قوله : ( ثم ذرهم ) إشارة إلى التخلي