تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
. . . . . . . . . .
شرح

الباب الأول في الخلاف العارض من جهة اشتراك الألفاظ واحتمالها للتأويلات الكثيرة :

هذا الباب ينقسم ثلاثة أقسام : أحدها : اشتراك في موضوع اللفظة المفردة . والثاني : اشتراك في أحوالها التي تعرض إليها من إعراب وغيره . والثالث : اشتراك يوجبه تركيب الألفاظ وبناء بعضها على بعض ، فالاشتراك العارض في موضوع اللفظة المفردة نوعان : اشتراك بجمع معان مختلفة متضادة ، واشتراك بجمع معان غير مختلفة غير متضادة . فالأول : كالقرء ذهب الحجازيون من الفقهاء إلى أنه الطهر ، وذهب العراقيون إلى أنه الحيض ، ولكل منهما شاهد من الحديث واللغة . وأما اللفظ المشترك الواقع على معان مختلفة غير متضادة فنحو قوله تعالى :إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً[ المائدة : 33 ] الآية ، ذهب قوم إلى أن « أو » هنا للتخيير فقالوا : السلطان مخير في هذه العقوبات بأن يفعل بقاطع السبيل أيها شاء ، وهو قول الحسن وعطاء ، وبه قال مالك ، وذهب آخرون إلى أن « أو » هنا للتفصيل والتبعيض ، فمن حارب وقتل وأخذ المال صلب ، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله ، وهو قول ابن مجلز وحجاج بن أرطأة عن ابن عباس ، وبه أخذ الشافعي وأبو حنيفة . وأما الاشتراك العارض من قبل اختلاف الكلمة دون موضوع فمثل قوله تعالى :وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ[ البقرة : 282 ] ، قال قوم : مضارة الكاتب أن يكتب ما لم يمل عليه ، ومضارة الشهيد أن يشهد بخلاف الشهادة . وقال آخرون : مضارتهما أن يمنعا من استقلالهما ويكلفا الكتابة والشهادة في وقت يشق ذلك عليهما ، وإنما أوجب هذا الاختلاف أن قوله تعالى :( وَلا يُضَارَّ )يحتمل أن يكون تقديره : ولا يضارر بفتح الراء ، فيلزم على هذا أن يكون الكاتب والشهيد مفعولا بما لم يسم فاعلهما . وهكذا كان يقرأ ابن مسعود بإظهار التضعيف وفتح الراء ، ويحتمل أن يكون تقديره لا يضارر بكسر الراء ، فيلزم على هذا أن يكون الكاتب والشهيد فاعلين ، وهكذا كان يقرأ ابن عمر بإظهار التضعيف وكسر الراء ، وأما الاشتراك العارض من قبل تركيب الكلام وتناقض بعض الألفاظ على بعض فإن منه ما يدل على معان مختلفة متضادة ، ومنه ما يدل على معان مختلفة غير متضادة ، فمن النوع الأوّل قوله تعالى :وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ[ النساء : 127 ] ، قال قوم معناه وترغبون في نكاحهن لمالهن . وقال آخرون : إنما أراد وترغبون عن نكاحهن لدمامتهن وقلة مالهن ، ولكل من القولين شاهد في كلام العرب وله أمثلة كثيرة في القرآن وكلام العرب ، وأما التركيب الدال على معان مختلفة غير متضادة فكقوله تعالى :وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً[ النساء : 157 ] ، فإن قوما يرون الضمير في قتلوه عائدا إلى المسيح عليه السّلام ، وقوما يرونه عائد إلى العلم المذكور في قوله تعالى :ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ[ النساء : 157 ] ، فيجعلونه من قول العرب قتلت الشيء علما .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 461 | مرتضى الزبيدي