تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
. . . . . . . . . .
شرح
بأدلتها فضل ، والأخذ بها سعة من اللّه عز وجل ، وما انتهت المذاهب إليه فإن كلّا منها إذا أخذها أحد ساغ له ذلك ، فإن خرج من الخلاف بأن يأخذ بالأحوط معتمدا ذلك في كل ما يمكنه الخروج من الخلاف ، فإن ورد عليه ما لا يمكنه الخروج من الخلاف فيه . ففي مثله إذا وقف المتبع تبع الأكثر كان هو الأولى ، فأما المجتهد فإنه إذا ثبت عنده حق بمقتضى ما أدى اجتهاده إليه في مسألة فإن فرضه هو ما أدى إليها اجتهاده على أن المجتهد اليوم لا يتصوّر لاجتهاده في هذه المسائل التي قد تحررت في المذاهب ثمرة ، لأن الفقهاء المتقدمين قد فرغوا من ذلك فأتوا بمبالغ الأقسام كلها ولا يؤدي اجتهاد المجتهد إلا إلى مثل مذهب واحد منهم ، فأما هذا الجدل الذي يقع من أهل المذاهب ، فإنه أرفق ما يحمل الأمر فيه بهم أن يخرج مخرج الإعادة والدرس ليكون الفقيه به معيدا محفوظه ودارسا ما يعلمه ، فأما اجتماع الجمع منهم متجادلين في مسألة مع أن كل واحد منهم لا يطمع في أن يرجع خصمه إليه إن ظهرت حجته ولا هو يرجع إلى خصمه إن ظهرت حجة خصمه عليه ، ولا فيه عندهم فائدة ترجع إلى مؤانسة ، ولا إلى استجلاب المودة ، ولا إلى توطئة القلوب لمرعى حق ، بل هو على الضد من ذلك ولا مماري في أنه محدث متجدد .

الفصل الثالث في بيان الأسباب الموجبة للخلاف :

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح الأربعين : اختلاف العلماء في المسائل التحليلية والتحريمية لأسباب منها : أنه قد يكون النص عليه خفيا لم ينقله إلا قليل من الناس فلم يبلغ جميع حملة العلم . ومنها : أنه قد ينقل فيه نصان : أحدهما ؛ بالتحليل ، والآخر : بالتحريم . فيبلغ طائفة أحد النصين دون الآخرين ، فيتمسكون بما بلغهم أو يبلغ النصان معا من لا يبلغه التاريخ فيقف لعدم معرفته بالناسخ . ومنها : ما ليس فيه نص صريح كإنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس ، فتختلف أفهام العلماء في هذا كثيرا . ومنها : ما يكون فيه أمر أو نهي فتختلف العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب ، وفي حمل النهي على التحريم أو التنزيه ، وأسباب الاختلاف أكثر مما ذكرنا . قال : وقد يقع الاشتباه في الحلال والحرام بالنسبة إلى العلماء وغيرهم من وجه آخر ، وهو أن من الأشياء ما يعلم سبب حله وهو الملك المتيقن ، ومنه ما يعلم سبب تحريمه وهو ثبوت ملك الغير عليه . فالأول : لا تزول إباحته إلا بيقين زوال الملك عنه اللهم إلا في الابضاع عند من يوقع الطلاق بالشك فيه كمالك ، وإذا غلب على الظن وقوعه كإسحاق بن راهويه . والثاني : لا يزول تحريمه إلا بيقين العلم بانتقال الملك فيه ، وأما ما لا يعلم له أصل ملك كما يجده الإنسان في بيته ولا يدري هو له أو لغيره ، فهذا مشتبه ولا يحرم عليه تناوله لأن الظاهر أن ما في بيته ملكه لثبوت يده عليه والورع اجتنابه ، ومن هذا أيضا ما أصله الإباحة كطهارة الماء والثوب