تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
ولا مهرب لعبد عن معصيته إلا بتوفيقه ورحمته ، ولا قوة له على طاعته إلا بمشيئته وإرادته ، فلو اجتمع الانس والجن والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته ومشيئته لعجزوا عن ذلك . وإن ارادته قائمة بذاته في جملة صفاته لم يزل كذلك موصوفا بها . مريدا في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها فوجدت في أوقاتها كما أراده في أزله من غير تقدم ولا تأخر ، بل وقعت على وفق علمه وإرادته من غير تبدل ولا تغير . دبر الأمور لا بترتيب أفكار ولا تربص زمان ، فلذلك لم يشغله شأن عن شأن .
شرح
تكون إرادة لكل مراد على الوجه الذي أراده ، ومما يدل على صحة قولنا في هذه المسألة أنه لو جاز حدوث ما لا يريده اللّه تعالى وجاز أن يريد شيئا فلا يتم مراده ، كما قالت القدرية لأدى ذلك إلى إبطال دلالة التمانع على توحيد الصانع ، وسيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى . ( لا رادّ ) أي لا دافع ولا مانع ولا صارف ( لأمره ) الذي شاءه ( ولا معقب لقضائه ) وحكمه أي لا متبع له ولا مكر له بنقض ، والمعقب الذي يكر على الشيء ويتبعه لينظر ما فيه من الخلل لينقضه وقيل : معناه لا يقضي بعد قضائه قاض ، وقيل : معناه لا أحد يتعقبه ويبحث عن فعله ( لا مهرب لعبد عن معصيته ) ومخالفته أمره ( إلا بتوفيقه له ورحمته ، ولا قوة له على طاعته ) وإتيان مأموراته ( إلا بمحبته وإرادته ) وهذا هو تفسير لا حول ولا قوة إلا باللّه . وفي هذا السياق إشارة إلى أن المحبة والإرادة شيء واحد وهو مذهب المصنف وعند الماتريديه فرق بينهما وسيأتي بيان ذلك ، ( فلو اجتمع الجن والإنس والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته ومشيئته عجزوا عن ذلك ) فلا يجري في ملكه شيء إلا بمشيئته في أقضيته ومراداته سبحانه جل شأنه ( وأن إرادته صفة أزلية له قائمة بذاته ) أراد بها مراداته ( في جملة صفاته ) كالعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام ( لم يزل كذلك موصوفا بها ) في الأزل ، كما أنه لم يزل عالما بعلم محيط بجميع المعلومات على التفصيل ، وكما أنه لم يزل قادرا بقدرة شاملة لجميع المقدورات على التفصيل سامعا بسمع رائيا برؤية محيطين بجميع المسموعات والمرئيات على التفصيل ( مريدا في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها فوجدهت في أوقاتها كما أراده في أزله ) وهي الإرادة الكونية . وقد سبق أنها متى تعلقت بشيء وجب وجوده ( من غير تقدم ) عن وقته ( ولا تأخر ) عنه ، ( بل وقعت على وفق علمه وإرادته ) . قال شيخ مشايخنا : تأثير الإرادة عند أهل الحق على وفق العلم ، فكل ما علم اللّه تعالى أنه يكون من الممكنات أو لا يكون فذلك مراده عز وجل ( من غير تبدل ولا تغير ) ، وفي ذلك خلاف للمعتزلة يأتي بيان قولهم والرد عليهم ( دبر الأمور ) لما كان التدبير في صفات البشر هو التفكر في عواقب الأمور ولا يوصف سبحانه وتعالى به ، فإنه لم يزل عالما قبل وقوعها فلذلك أعقبه بقوله : ( لا بترتيب أفكار وتربص زمان ) فإذا المراد بالتدبير في الأمور هنا إمضاؤها ، وبه فسر قوله تعالى :يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ[ السجدة : 5 ] فيكون المدبر على هذا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 43 | مرتضى الزبيدي