تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
السمع والبصر : وأنه تعالى سميع بصير يسمع ويرى لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفي ، ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دقّ . ولا يحجب سمعه بعد ولا يدفع رؤيته ظلام . يرى من غير حدقة وأجفان ويسمع من غير أصمخة وآذان كما يعلم بغير قلب ويبطش بغير جارحة ويخلق بغير آلة إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق .
شرح
من أوصافه المشتقة من فعله ، ولا يكون من أوصافه الأزلية أو بمعنى دبر الأمور علم بها ، فعلى هذا يكون المدبر من أسمائه الأزلية فلا مدبر ولا مقدر لما يجري من السماوات والأرض غيره . كل حادث فيهن وما بينهن واقع بتقديره وجار على تدبيره فله التدبير والتقدير ، ( فلذلك لم يشغله شأن عن شأن ) وهو الآن كما عليه كان ، ثم أعلم أن للقدرة والإرادة تعلقين صلوحي وتنجيزي ، فالصلوحي قديم وحقيقته صحة الإيجاد والإعدام بالقدرة وصحة التخصيص بالإرادة بمعنى أن القدرة في الأزل صالحة للإيجاد والإعدام على وفق تعلق الإرادة الأزلية والتنجيزي حادث وحقيقته صدور الممكنات عن القدرة والإرادة ، وللإرادة تعلق ثالث وهو تنجيزي قديم وحقيقته قصد إيجاد اللّه تعالى الأشياء في أوقاتها المعلومة . ( السمع والبصر ) : وهما الصفة الرابعة والخامسة من صفات المعاني المتعلقان بجميع الموجودات ، وحقيقة السمع صفة أزلية قائمة بذاته تعالى تتعلق بالموجودات فتدرك أي الموجودات إدراكا تاما لا على سبيل التخيل والتوهم ، ولا على طريق تأثير حاسة ولا وصول هواء ، وحقيقة البصر صفة أزلية قائمة بذاته تعالى تتعلق بالموجودات فتدرك أي الموجودات إدراكا تاما لا على سبيل التخيل والتوهم ، ولا على سبيل طريق تأثر حاسة ولا وصول شعاع ، ومعنى المتعلقان الطالبان بالإنكشاف لجميع الموجودات ، ( وأنه تعالى سميع بصير يسمع ويرى ولا يعزب ) أي لا يغيب ( عن سمعه مسموع وإن خفي ) كوقع أرجل النملة على الأجسام اللينة وكلام النفس ، فإنه تعالى يسمع كلا منهما ، ( ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق ) كالذرة في الهواء يسمع النداء ويجيب الدعاء ، ( ولا يدفع سمعه بعد ولا يحجب سمعه بعد ولا يدفع رؤيته ظلام ) بل ( يرى من غير حدقة ) يقلبها ( أو أجفان ) يحركها تعالى اللّه عن ذلك ( ويسمع من غير أصمخة ) جمع صماخ بالكسر وهو الثقب الذي في الأذن ( ولا آذان ) كما أنه تعالى ( يعلم بغير ) دماغ و ( قلب ، ويبطش بغير جارحة ويخلق بغير آلة ) منزه عن سمات البرايا ( إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق كما لا تشبه ذاته ذات الخلق ) أي ليس علمه كعلم المخلوق المختلف في محله أهو الدماغ أو القلب ، ولا كسمع المخلوق الذي هو بقوة مودعة في مقعر الصماخ يتوقف إدراكها للأصوات على حصول الهواء الموصل لها إلى الحاسة وتأثير الحاسة ، ولا كبصر المخلوق الذي هو قوة مودعة في العصبتين المجوفتين الخارجتين من الدماغ فلذلك لم تشبه صفاته صفات الخلق ، كما لم تشبه ذاته ذات الخلق لما ثبت تنزيهه وتقديسه عما لا يليق به جل جلاله . قال المنجوري في حواشيه على الصغرى ، والفجيجي على أم البراهين أن السمع والبصر ليس لهما إلا