تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
. . . . . . . . . .
شرح
يفيض على من يشاء من عباده ، وهو المنان لا إله غيره ولا خير إلا خيره ، ثم إني قد افتتحت الكلام في ذلك بمقدمه جعلت مدارها على عشرة فصول فتنزل منزلة الأصول ، وخاتمة في سند المذهب ، وعلى اللّه المعتمد في بلوغ التكميل وهو حسبنا ونعم الوكيل .

الفصل الأول في بيان معنى الفقه ، ومتى يطلق على الإنسان اسم الفقيه والإمام ، ومتى يجوز له أن يفتي .

فأما الفقه فهو مصدر فقه الرجل بمعنى فقىء ، فإن الهاء مبدلة من الهمزة ، ومعنى فقه الرجل غاص على استخراج معنى القول من قولهم : فقأت عينه إذا بخصتها بخصا استخرجت به شحمتها فجعلت باطنها ظاهرا بمعنى الفقه على هذا التأويل أنه استخراج الغوامض والاطلاع على أسرار الكلم ، وأما حد الفقيه ففي الأجوبة المكية للحافظ ولي الدين العراقي قال : قد ذكره الرافعي والنووي في الروضة في الوقف فقالا : إنما يصح الوقف على الفقهاء ويدخل فيه من حصل منه شيئا ، وإن قل ، وهذا مقتضاه صدق اسم الفقيه على من حصل من الفقه شيئا وإن قل وفيه نظر ، فإن الفقهاء جمع فقيه وهو اسم فاعل من فقه بضم القاف إذا صار الفقه له سجية ، وذلك يقتضي أنه لا بد من تبحره في الفقه وكثرة استحضاره ومعرفته للمآخذ حتى يهتدي إلى تخريج ما لا يستحضر النقل فيه ، فإنه لا يصير سجية له إلا بذلك ، وهذا هو الموافق لكلام غيرهما من الأصحاب . وذكر القاضي الحسين في تعليقه فيما إذا وقف على الفقهاء أنه يعطى لمن حصل من الفقه شيئا يهتدي به إلى الباقي . قال : ويعرف بالعادة . وقال في تعليقته الأخرى : يصرف إلى من يعرف في كل علم شيئا ، فأما من تفقه شهرا أو شهرين فلا ، وكأن مراده بالعلم النوع في الفقه ، ولذا عبّر البغوي في التهذيب في الوصية بقوله : صرف لمن حصل من كل نوع ، وقال في التتمة في باب الوصية : أنه يرجع فيه إلى العادة وعبّر في الوقف بقوله إلى من حصل طرفا ، وإن لم يكن متبحرا ، فقد روي : من حفظ أربعين حديثا عدّ فقيها ، ولكن كلام الأصوليين يقتضي اختصاص اسم الفقهاء بالمجتهدين ، فإنهم عرفوا الفقه بأنه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية وذكروا أنهم إحترزوا بقولهم التفصيلية عن العلم الحاصل للمقلد في المسائل الفقهية ، فإنه لا يسمى فقها بل تقليدا لأنه أخذه من دليل إجمالي مطرد في كل مسألة وهو أنه أفتاه به المفتي فهو حكم اللّه في حقه ، فذلك المفتي به حكم اللّه في حقه . وأما الإمام فهو الذي يقتدى به ، فمن صلح للاقتداء به في علم فهو إمام في ذلك العلم . قال اللّه تعالى :وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً[ الفرقان : 74 ] ، وقال تعالى :وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا[ السجدة : 24 ] ، وأما الصفات المعتبرة في المفتي ، فيعتبر فيه الإسلام والبلوغ