تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
. . . . . . . . . .
شرح

النوع الثالث من الفصول الثلاثة في بيان مسائل اعتقادية تم بها كتاب قواعد العقائد وهي في فصول :

فصل [ العبد ما دام عاقلا بالغا لا يصل إلى مقام يسقط عنه الأمر والنهي ]

العبد ما دام عاقلا بالغا لا يصل إلى مقام يسقط عنه الأمر والنهي ، لقوله تعالى :وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ[ الحجر : 99 ] فقد أجمع المفسرون على أن المراد به الموت . وذهب بعض أهل الإباحة إلى أن العبد إذا بلغ غاية المحبة وصفا قلبه من الفضلة ، واختار الإيمان على الكفر والكفران سقط عنه الأمر والنهي ، ولا يدخله اللّه النار بارتكاب الكبائر ، وبعضهم إلى أنه تسقط عنه العبادات الظاهرة ويكون عبادته التفكر وتحسين الأخلاق الباطنة ، وهذا كفر وزندقة وجهالة وضلالة . وأما قوله عليه السّلام : « إذا أحب اللّه عبدا لم يضره الذنب » فمعناه أنه إذا عصمه من الذنوب فلم يلحقه ضرر العيوب أو وفقه للتوبة بعد الحوبة ، ومفهوم هذا الحديث أن من أبغضه اللّه فلا تنفعه طاعة حيث لا تصدر عنه عبادة صالحة بنية صادقة ، ولذا قيل :من لم يكن للوصال أهلا * فكل طاعة له ذنوبوأما ما نقل عن بعض الصوفية : من أن العبد السالك إذا بلغ مقام المعرفة سقط عنه تكليف العبادة ، فوجهه بعض المحققين منهم بأن التكليف مأخوذ من الكلفة بمعنى المشقة ، والعارف يعبد ربه بلا كلفة ولا مشقة بل يتلذذ بالعبادة وينشرح قلبه بالطاعة ويزداد شوقه ونشاطه بالزيادة علما بأنها سبب السعادة ، ولهذا قال بعض المشايخ : الدنيا أفضل من الآخرة لأنها دار الخدمة ، والآخرة دار النعمة . ومقام الخدمة أولى من مرتبة النعمة . وقد حكي عن علي رضي اللّه عنه أنه قال : لو خيرت بين المسجد والجنة لاخترت المسجد لأنه حق اللّه سبحانه والجنة حظ النفس ، ومن ثمة اختار بعض الأولياء طول البقاء في الدنيا على الموت مع وجود اللقاء في العقبى ، والحاصل أن الترقي فوق التوقف كالتدلي ، واللّه أعلم .

فصل [ الحرام رزق ]

الحرام رزق لأن الرزق اسم لما يسوقه اللّه تعالى إلى الحيوان فيتناوله وينتفع به ، وذلك قد يكون حلالا ، وقد يكون حراما . وذهب المعتزلة إلى أن الحرام ليس يرزق لأنهم فسروه تارة بمملوك يأكله المالك ، وأخرى بما لم يمنعه الشارع من الانتفاع به ، وذلك لا يكون إلا حلالا . ويرد عليهم أنه يلزم على الأول أن لا يكون ما تأكله الدواب بل العبيد والإماء رزقا على الوجهين الأخيرين ، وإن من أكل الحرام طول عمره لم يرزقه اللّه تعالى ، ويرد الوجوه الثلاثة قوله تعالى :وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها[ هود : 6 ] فيستوفى كل رزق نفسه حلالا كان أو حراما ولا يتصور أن لا يأكل الإنسان رزقه أو يأكل غيره لأن ما قدره اللّه تعالى