إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 447
. . . . . . . . . . النوع الثاني : من الفصول الثلاثة في ذكر ما له تعلق بالايمان وهذا النوع نذكر فيه ثلاثة مباحث : المبحث الأول : في بيان ما يتعلق بالايمان : قال الكمالان : ما يجب به الايمان هو ما جاء به محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن اللّه عز وجل ، فيجب التصديق بجميع ما جاء به عن اللّه تعالى من اعتقادي وعملي ، وتفاصيلهما كثيرة فاكتفي بالاجمال ، وهو أن يقر بأن لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه إقرارا صادرا عن مطابقة جنانه واستسلامه للسانه ، وأما التفاصيل فما وقع منها في الملاحظة بأن جذبه جاذب إلى تعقل ذلك الأمر التفصيلي وجب اعطاؤه حكمه من وجوب الايمان ، فإن كان مما ينفي جحده الاستسلام أو يوجب التكذيب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فجاحده حكم بكفره وإلا فسق وضلل ، فما ينفي الاستسلام هو كل ما يدل على الاستخفاف من الألفاظ والأفعال الدالة عليه وما يوجب التكذيب هو جحد كل ما ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ادعاؤه ضرورة كالبعث والجزاء والصلوات الخمس ، وأما التبرىء من كل دين يخالف دين الإسلام ، فإنما شرطه بعضهم لإجراء أحكام الإسلام عليه في حق بعض أهل الكتاب الذين يقولون : إن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم إنما أرسل للعرب خاصة لا إلى أهل الكتاب لا لثبوت الإيمان له فيما بينه وبين اللّه تعالى ، لأنه لو اعتقد عموم الرسالة وتشهد فقط كان مؤمنا عند اللّه إذ يلزم اعتقاده ذلك التبرىء ولم يشترطه بعضهم ، لأنه عليه السّلام كان يكتفي بالتشهد منهم . وقد نقل إسلام عبد اللّه بن سلام وليس فيه زيادة على التشهد ، ويجاب عن هذا بأن كل من كان بحضرته صلّى اللّه عليه وسلّم من كتابي أو مشرك فقد سمع منه ادعاء عموم الرسالة لكل أحد ، فإذا شهد أنه رسول اللّه لزم تصديقه اجمالا في كل ما يدعيه بخلاف الغائب ، فإنه لم يسمع منه ، فتمكنت الشبهة في إسلامه بمجرد التشهد لجواز أن ينسب إلى الناس الافتراء في ادعاء العموم جهلا بثبوت التواتر عنه به ، واللّه أعلم . المبحث الثاني : في بيان ان الايمان مخلوق أو غير مخلوق : اختلف أهل السنة والجماعة ، فقيل : هو مخلوق وإليه ذهب الحرث المحاسبي ، وجعفر بن حرب ، وعبد اللّه بن كلاب ، وعبد العزيز المكي وغيرهم . هكذا نقله الأشعري عنهم ، وإليه ذهب أهل سمرقند من الماتريدية ، ونقل الأشعري عن أحمد بن حنبل وجماعة من أهل الحديث أنه غير مخلوق ، وهو قول أهل بخارى وفرغانة من الماتريدية ، وهو الذي رواه نوح بن أبي مريم عن أبي حنيفة . وقال صاحب المسايرة : وإليه مال الأشعري ووجهه بما حاصله أن إطلاق الايمان في قول من قال : إن الايمان غير مخلوق ينطبق على الايمان الذي هو من صفات اللّه لأن من أسمائه الحسنى المؤمن وايمانه هو تصديقه في الأزل بكلامه القديم واخباره الأزلي بوحدانيته كما دل عليه قوله تعالى : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [ طه : 14 ] ولا يقال أن تصديقه محدث ولا مخلوق تعالى أن يقوم به حادث اه . ولا يخفى أن الكلام ليس في هذا المرام إذ أجمعوا على أن ذاته وصفاته تعالى أزلية قديمة وإن اعتبر هذا المعنى لا يصح أن الصبر والشكر ونحوهما غير مخلوق حيث ورد معانيهما في أسمائه