تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
. . . . . . . . . .
شرح
للالكائي إلا أن السبكي زاد عند ذكر ابن مسعود : واختلف في رجوعه عنه ، فقد قرأت في تلخيص الأدلة لأبي إسحاق الصفّار قال : وذكر الأستاذ أبو محمد الحارثي الحافظ في كتاب الكشف عن مناقب الإمام ، عن موسى بن كثير ، عن ابن عمر أنه أخرج شاة لتذبح فمرّ به رجل فقال له : أمؤمن أنت ؟ قال : نعم إن شاء اللّه قال : لا يذبح نسيكتي من يشك في إيمانه ، ثم مرّ به رجل فقال له : أمؤمن أنت ؟ قال : نعم فذبح شاته فلم يجعل من يستثنى في ايمانه مؤمنا وجعله شكا في الايمان ، وأسند عن عطاء أنه كان ينكر على من يستثنى في ايمانه ، وأسند عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه كان يستثني في إيمانه ، وكذلك أصحابه فلقيهم صاحب معاذ بن جبل وناظرهم حتى أنزل ابن مسعود وجماعته عن ذلك ، واستغفر ابن مسعود عن ذلك وعدّ ذلك خطأ من نفسه . وأسند عن همام بن مسلم عن أبي حنيفة أنه كان لا يرى الصلاة خلف من يستثني في ايمانه ، وأسند عن سفيان الثوري أنه رجع عن الاستثناء في الإيمان . وروى غيره عن ابن المبارك من شك في ايمانه فليس بمؤمن ، ويعني بالشك انه لا يدري هل هو مؤمن أوليس بمؤمن ، وأما إذا لم يشك هذا الشك ، ولكنه يستثنى على معنى أنه هل يبقى على الإيمان في مستقبل الوقت أو على أن قوله : أنا مؤمن حقا يقتضي استكمال الايمان بتوابعه ، كما يقال : فلان عالم حقا أنه يقتضي استكمال العلم بما يوجبه العلم ، فهذا لا يكون شكا في الايمان ، ولكنه يكون خطأ في القول ، لأن توابع الايمان ليست من أصل الايمان ، فنفس الايمان يكون حاصلا بدون توابعه ، فلا يصح الاستثناء في الايمان . ألا ترى أن ابن مسعود رجع عن هذا واستغفر ولم يكن ابن مسعود شاكا في الايمان ، وكذلك رجوع سفيان عن هذا الاستثناء يدل على كونه على خطأ في هذا الاستثناء وإن لم يكن شاكا في ايمانه . وقد حكي أن أبا حنيفة لقي قتادة فقال له أبو حنيفة : أمؤمن أنت ؟ فقال قتادة : نعم إن شاء اللّه . فقال له أبو حنيفة : أرغبت عن ملة إبراهيم ، فإنه قال : بلى لما قاله له ربه : أو لم تؤمن ؟ وفي بعض الروايات : قال له قتادة : أرجو ، فقال له أبو حنيفة : ولم ذلك ؟ قال لقوله تعالى :وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ[ الشعراء : 82 ] ، قال : فهلا قلت كما قال إبراهيم :بَلى ،لما قال له ربهأَ وَلَمْ تُؤْمِنْ ،وفي بعض الروايات لما قال له أبو حنيفة ولم ذاك ؟ قال لقوله :وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي[ البقرة : 260 ] ، فقال له أبو حنيفة : هلا قلت كما قال إبراهيم ( بلى ) حين قال له ربه :أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ ،فالتزم قتادة لما ألزمه أبو حنيفة بما ذكر . قلت : فقد ظهر بما تقدم أن المنع عن الاستثناء في الإيمان قال به جماعة من السلف ، ولم ينفرد به أبو حنيفة وأصحابه كما يقوله المخالفون لهم ، بل الاختلاف حاصل في الطبقة الأولى على أنه وافقهم في ذلك جماعة من أهل الضلال . قولهم كقول أصحاب أبي حنيفة ، وإن كان موافقتهم لا يعتد بها منهم : الشمرية والثوبانية والشبيبية والغيلانية والمرليية والنجارية لا كثرهم اللّه تعالى ، كما أن الأشاعرة وافقهم من طوائف الضلال في جواز القول به جماعة ، وهم الخوارج والأزارقة والصفرية وغلاة الروافض وفريق من المعتزلة ، واللّه أعلم .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 446 | مرتضى الزبيدي