. . . . . . . . . .
شرح
الحسنى ، بل السمع والبصر والحياة والقدرة وأمثالها . ولا أظن بأن أحدا قال بهذا العموم وأوجب الكفر لهذا المفهوم الموهوم لأن صفاته تعالى مستثناة عقلا ونقلا ، وعلل أهل بخارى بأن الإيمان أمر حاصل من اللّه للعبد لأنه تعالى قال بكلامه الذي ليس بمخلوق ، فاعلم أنه لا إله إلا اللّه . وقال تعالى :مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ[ الفتح : 29 ] فيكون المتكلم بمجموع ما ذكر قد قام به ما ليس بمخلوق ، وكما أن من قرأ القرآن كلام اللّه الذي ليس بمخلوق وهذا غاية متمسكهم ، ونسبهم مشايخ سمرقند إلى الجهل إذ الإيمان بالوفاق هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان ، وكل منهما فعل من أفعال العبد ، وأفعال العباد مخلوقة للّه تعالى باتفاق أهل السنة والجماعة . قال ابن الهمام في المسايرة : ونص أبي حنيفة في الوصية في خلق الإيمان حيث قال : نقر بأن العبد مع أعماله وإقراره ومعرفته مخلوق ، وقد نقل بعض أهل السنة أنهم منعوا من إطلاق القول بحلول كلامه سبحانه في لسان أو قلب أو مصحف ، وإن أريد به اللفظي رعاية للأدب مع الرب لئلا يتوهم متوهم إرادة نفس القديم واللّه أعلم .
المبحث الثالث : في بيان أن الإيمان باق مع النوم والغفلة والإغماء والموت : وأن كلا منهما لا يضاد التصديق ، والمعرفة حقيقة لأن الشرع حكم ببقاء حكمها إلى أن يقصد صاحبها إلى إبطالها باكتساب أمر حكم الشرع بمنافاته لهما ، فيرتفع ذلك الحكم خلافا للمعتزلة في قولهم : إن النوم والموت يضادان المعرفة فلا يوصف النائم والميت بأنه موقن . كذا ذكره ابن الهمام ، لكنه مخالف لما في المواقف عنهم أنهم قالوا : لو كان الإيمان هو التصديق لما كان المرء مؤمنا حين لا يكون مصدقا كالنائم حال نومه والغافل حين غفلته وأنه خلاف الإجماع اه . فارتفع النزاع فتأمل .
خاتمة المباحث : في بيان ما يقابل الإيمان وهو الكفر أعاذنا اللّه منه . اختلفوا في المقابلة بين الكفر والإيمان هل هي مقابلة الضدين أو مقابلة العدم والملكة ؟ فمن قال بالأول قال الكفر عبارة عن إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسل به ، ومن قال بالثاني فسره بقوله عدم الإيمان عما من شأنه أن يكون مؤمنا ، وعلى كلا القولين يخرج ارتكاب الذنوب إذ لا يكون مرتكبها بارتكابه إياها منكر الشيء من الدين معلوما ضرورة أنه منه وهذا ظاهر ، ولم يخالف فيه أحد من أهل السنة والجماعة لا يقال قد خالف جماعة من الفقهاء حيث يكفر من ترك فرضا من الفروض الخمسة . أعني الصلاة وأخواتها لأنا نقول إنما كفروه بذلك لأن الشارع جعل ذلك علامة على كفره لقوله عليه السّلام : « ليس بين المؤمن والكافر إلا ترك الصلاة » كما جعل السجود للصنم ، والقاء المصحف في القاذورات وأمثال ذلك كفرا ، وليس من التكفير بمجرد الذنب يبقى النظر في الأدلة الشرعية التي جعلت هذا علامة الكفر في كون هذا علامة لاحتمال أن يكون الترك كسلا لا استهزاء ولا استحلالا بتركها ، وهذا نظر آخر فاعرفه . والمسألة اجتهادية والحق عدم التكفير ، وسيأتي لذلك بسط ، واللّه أعلم .