. . . . . . . . . .
شرح
المصدق به فلا بد للتصديق من المعرفة . ويشهد لذلك ما رواه البغوي أبو القاسم من حديث يوسف بن عطية ، عن ثابت ، عن أنس قال : بينما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يمشي استقبله شاب من الأنصار فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « كيف أصبحت يا حارثة ؟ » قال : أصبحت مؤمنا باللّه حقا . قال : أتظن ما تقول فإن لكل قول حقيقة . قال : يا رسول اللّه عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني بعرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها . قال : أبصرت فالزم عبد نوّر اللّه الإيمان في قلبه . فقال : يا رسول اللّه ادع اللّه لي بالشهادة ، فدعا له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » وهذا الحديث يذكره الصوفية كثيرا وهو مشهور عندهم وإن كان في سنده ضعف من جهة يوسف بن عطية ، وهو شاهد لأمرين : أحدهما : جواز إطلاق أنا مؤمن من غير استثناء ، والثاني : الإشارة إلى ما قلناه من أن هذا الإطلاق تشترط فيه المعرفة ، والمعرفة يتفاوت الناس فيها تفاوتا كثيرا ، فمعرفة اللّه تعالى معرفة وجوده ووحدانيته وصفاته ، أما ذاته فغير معلومة للبشر ووجوده معلوم لكل أحد ، ووحدانيته معلومة لجميع المؤمنين ، وصفاته يتفاوت المؤمنون في معرفتها ، وأعلى المعارف لا نهاية لها فلا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى ، وأعلى الخلق معرفة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم الأنبياء والملائكة على مراتبهم ، وأدنى المراتب الواجب الذي لا بدّ منه في النجاة من النار ، وفي عصمة الدم ، وبين ذلك وسائط كثيرة منها واجب ومنها ما ليس بواجب ، وكل ذلك داخل في اسم الايمان لأنه تصديق بها وبالإخلال به والعياذ باللّه .
قد يترك ذلك الواجب فقد يخرج من الايمان به وقد لا يخرج ، والحد في ذلك مزلة قدم للمتكلمين والسالكين كل منهم يتكلم فيه على قدر علمه ويقف فيه على قدر خوفه ، وأحوال القلوب في ذلك متفاوتة جدا والمعارف الإلهية المفاضة عليها من الملكوت الأعلى واسعة جدا ، فالخائف ما من مقام ينتهي إليه إلا ويخاف أن يكون فيه على خطر وينخلع قلبه من الهيبة فيفزع إلى المشيئة ويقول : حسبي إن كنت أديت الواجب وسواه رجلان : أحدهما : أقامه اللّه تعالى مقام البسط وانشراح الصدر باليقين فيطلق ، والآخر غافل عن الحالين اكتفى بظاهر العلم يكتفي عنه بالاطلاق أيضا . وعلى هذه الأحوال الثلاثة يحمل اختلاف السلف في ذلك ، وكل قصد الخير وتكلم على حسب حاله وليس فيهم من يكفر بعضا ، بل كل متكلم على قدر حاله ، وكل إناء بالذي فيه يرشح ، ومن قال من العلماء بوجوب الاستثناء غلب عليه حال استحضار تلك الأمور المانعة من الجزم ، ومن منعه غلب عليه وجوب الجزم بالتصديق ، وانغمرت تلك الأمور المقابلة له في قلبه ومن جوّز الأمرين نظر إلى الطرفين وليس أحد منهم شاكا فيما هو حاصل الآن ولا مقصرا فيما وجب عليه وللّه الحمد والمنة .
المسألة الخامسة : قال بعض الناس : إن الاستثناء للشك في القبول ، وهذا يلتفت على أن الإيمان هل يوصف بالقبول وعدمه أو بالصحة وعدمها . أما القبول ؛ فالظاهر أنه متى حصل الإيمان والوفاة عليه قبل قطعا ، وكذا الصحة إذا اتفق التصديق المطابق ومات عليه فهو صحيح قطعا ، وإنما يكون فساده إذا صدق تصديقا غير مطابق والعياذ باللّه ، فمن يعتقد في اللّه أو في