. . . . . . . . . .
شرح
الثاني وتحقيقه : أن اسم الايمان موضوع شرعا للمعنى الكلي المشترك بين الاعتقاد والقول والعمل ، والاعتقاد والقول دون العمل والاعتقاد وحده بشرط القول ، فإذا عدم العمل لم يعدم الايمان ، وإذا عدم القول لم يعدم الايمان ، ولكن عدم شرطه ، وإذا عدم الاعتقاد عدم الجميع لأنه الأصل ، إذا عرفت ذلك . فإذا قلنا : الأعمال داخلة في مسمى الايمان كان دخول الاستثناء جائزا لأن المؤمن غير جازم بكمال الأعمال عنده ، وبهذا يشعر كلام كثير من السلف وأنهم إنما استثنوا لذلك ، لكن هذا يقتضي أحد أمرين : إما أن الايمان لا يحصل إلا بالأعمال ، وقد قلنا أنه مذهب المعتزلة وعليه يلزم أن من فقد الأعمال يجزم بعدم الايمان لا أنه يقتصر على الاستثناء ، وإما أن نقول أن الايمان حقيقة واحدة صادقة على القليل وهو مجرد الاعتقاد الكثير والصحيح والكثير وهو المضاف إليه الأعمال ولها مراتب : أدناها إماطة الأذى عن الطريق ، ومؤمن اسم فاعل مشتق من مطلق الايمان فلا يشترط فيه وجود أعلى مراتبه إلا أن يراد بالإيمان الايمان الكامل فيصح ، وأما أصل الايمان فلا يصح الاستثناء فيه على هذا الجواب عند هذه الطائفة على هذه الطريقة . وقال بعض الناس : السلف إنما استثنوا لاعتقادهم دخول الأعمال في الايمان وفيه نظر لما ذكرناه ، فالوجه أن يضاف إلى ذلك أن اطلاق قولهم : أنا مؤمن يقتضي أنه جامع بين القول والعمل ، فلذلك استثنوا وليس ببعيد .
المسألة الثالثة : أن الإيمان إنما ينفع في الآخرة إذا مات عليه ، فمن مات كافرا لم ينفعه إيمانه المتقدم ، وهل نقول : إنه لم يكن إيمانا لأن من شرط الايمان أن لا يعقبه كفر ، أو كان إيمانا ولكن بطل فيما بعد لطرئان ما يحبطه ، أو كان الحكم بكونه إيمانا صحيحا موقوفا على الخاتمة ، كما يتوقف الحكم بصحة الصلاة والصوم على تمامهما لأنها عبادة واحدة مرتبط أوّلها بآخرها ، فيفسد أوّلها بفساد آخرها تخرج من كلام العلماء ثلاثة أقوال من ذلك : والأوّل قول الأشعري ، والثاني ظاهر القرائن تدل له حيث حكم بأن المرتد يحبط عمله إذا مات كافرا ، والثالث : اقتضاء كلام بعضهم ، وعلى كل الأقوال الثلاثة يصح الاستثناء للجهل بالعاقبة التي هي شرط إما في الأصل ، وإما في التدين ، وإما في النفع . ويكون الاستثناء راجعا إلى أصل الايمان ، ولا يحتاج أن نقول أن الأعمال داخلة فيه ، ويلزم على هذا حصول الشك فيه ، لكن هذا شك لا حيلة للعبد فيه ، فإنه راجع إلى الخاتمة التي لا يعلمها إلا اللّه وليس شكا في اعتقاده الحاصل الآن . نعم هو شك في كونه نافعا وصحيحا ومسمى عند اللّه ايمانا وإن كان صاحبه جازما بأنه ايمان قد أتى بما في قدرته من ذلك من غير تفريط ولا تقصير ولا ارتياب عنده فيه .
المسألة الرابعة : ولم أجد من تعرض للتخريج عليها غيري وهي التي أشرت إلى عزة من يفهمها واحتياج سامعها إلى تثبت في الفهم بتوفيق من اللّه بالسلامة أنّا وإن سلمنا أن الايمان التصديق وحده من غير إضافة الأعمال إليه ، ولا الأمن من العذاب بسببه ، ولا اشتراط الخاتمة في مسماه فنقول : التصديق يتعلق بالمصدق به وهو الخمسة المذكورة في الحديث ، ويشترط معرفة