تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
. . . . . . . . . .
شرح
وكيف يقول ذلك ، وعبد اللّه بن مسعود الذي هو أصل مذهبه وشيخ شيخ شيخ شيخه قد اشتهر عنه ذلك ، بل هو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، ثم سرد أسماءهم التي سردناها في أوّل هذا المبحث ثم قال : وهذا القول صحيح والناس فيه على ثلاثة مذاهب : منهم من يوجبه ويمنع القطع بقوله : أنا مؤمن ، ومنهم من يمنعه ويوجب القطع بقوله : أنا مؤمن ، ومنهم من يجوّز الأمرين وهو الصحيح . والكلام في هذه المسألة طويل يحتاج إلى مواد كثيرة وقواعد منتشرة وقلب سليم وفكر مستقيم ومخاطبة من يفهم عنك ما تقول ويعاني مثل ما تعانيه في المنقول والمعقول ، وارتياض في العلوم ، واعتدال في المنطوق والمفهوم ، وطبيعة وقّادة ، وقريحة منقادة ، وتجرد في علم الطريق والسلوك ، وتقوى وتذكر إذا عرض له مس الشيطان فتبصر ما تنزاح به عنه الشكوك . وقد يأتي في مباحث هذه المسألة ما أخفي عن كل أحد لعزة من يفهمه أو يسلم في المعتقد ، لكني أرجو من اللّه أن يوفقك لفهمه ويعصمك وأنت على كل حال ولد صالح . وهذه المسألة تستمد من مسائل . إحداها : تحقيق معنى الايمان وقد صنفت فيه مجلدات ، ويكفي قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر » ، وذكر اللغويون قولين في معنى أن تؤمن ، ومعنى الايمان : أحدهما : وهو المشهور أن تصدق والباء للتعدية ، فالإيمان التصديق بهذه الأمور الخمسة ، والثاني : أن تؤمن نفسك من العذاب والباء للاستعانة أو السببية ، فالإيمان جعل النفس آمنة بسبب اعتقاد هذه الأمور الخمسة ، وعلى هذا القول يظهر جواز الاستثناء لأن الأمن من عذاب اللّه مشروط بمشيئة اللّه بلا اشكال ، وتخريج الاستثناء على هذا القول لم أجده منقولا وإنما ذكرته ، وهذا القول لم يذكره الأكثرون ، ولكن الواحدي ذكره في أوّل تفسيره وناهيك به ففرعت أنا عليه هذا الجواب . المسألة الثانية : هل الأعمال داخلة في مسمى الايمان أو خارجة عنه ؟ ظاهر الحديث المذكور أنها خارجة عنه ، وقد اشتهر على ألسنة السلف أن الايمان قول وعمل ، وجاء في القرآن والسنّة مواضع كثيرة أطلق فيها الايمان على الأعمال ، وههنا احتمالات أربعة . أحدها : أن تجعل الأعمال من مسمى الايمان داخلة في مفهومه ، لكن يلزم من عدمها عدمه وهذا مذهب المعتزلة . والثاني : أن تجعل أجزاءه داخلة في مفهومه لكن لا يلزم من عدمها عدمه ، فإن الأجزاء على قسمين : منها ما لا يلزم من عدمه عدم الذات كالشعر واليد والرجل للإنسان ، وكالأغصان للشجرة فاسم الشجرة صادق على الأصل وحده وعليه مع الأغصان ولا يزول بزوال الأغصان ، وهذا هو الذي يدل له كلام السلف . وقولهم : الايمان قول وعمل يزيد وينقص ، فلن يجتمع هذان الكلامان إلا على هذا المعنى ، ومن هنا قال الناس : شعب الايمان . الثالث : أن تجعل الآثار آثارا خارجة عن الايمان لكنها منه وبسببه ، وإذا أطلق عليها فبالمجاز من باب اطلاق اسم السبب على المسبب . الرابع : أن يقال إنها خارجة بالكلية لا يطلق عليها حقيقة ولا مجازا وهذا باطل . والمختار القول