. . . . . . . . . .
شرح
استطراد :
اختلف قول أصحابنا في مثل قولك : أنا مؤمن أنا راشد أنا متق إن شاء اللّه تعالى . أي : في كل واحد من الايمان والرشاد والتقوى مما يكتسب بالاختيار ويرجى البقاء عليه في العاقبة والمآل ويحصل به تزكية النفس والاعجاب . قال الكستلي : وههنا فرق دقيق يحصل به الاستثناء في الرشاد والتقوى دون الايمان ، وهو أن الرشاد أعني الاهتداء لعمل الصالحات والتقوى أي الانتهاء عن المنهيات ليس واحد منهما شيئا محصلا يحصل تمامه لأحد في وقت معين ، فليس الراشد من عمل صالحا في الحال أو في حين من الأحيان ، وكذلك التقي ليس من اجتنب المحارم في حين من أحيان كونه مكلفا ، بل الحاصل منهما هيئة نفسانية تدعو إلى امتثال الأوامر وتمنع عن ارتكاب المناهي ، وتلك الهيئة تقوى وتضعف وتزول وتثبت والمعتبر ما هو في القوّة والثبات بحيث يكسر الشهوات ويقهر النفس الامارة ، ويبقى مدة العمر ، وأنّى للإنسان ذلك وكيف لا يشك في حصوله . وأما الإيمان فهو « 1 » الحصول يحصل لمن هداه اللّه تعالى بتمامه ، وأما ثباته فأمر خارج عن مدلول قوله : أنا مؤمن فلا وجه للشك والاستثناء فتأمل .
فصل
قد ألف قاضي القضاة تقي الدين السبكي رسالة صغيرة في هذه المسألة ، وذلك بسؤال ولده له . أما هو الشيخ تاج الدين عبد الوهاب أو غيره ، وقد يحيلون المشايخ كثيرا على هذه الرسالة ، وقد سيقت إليّ بحمد اللّه تعالى بخط المصنف مع جملة تآليف له وهي المسودة الأصلية ، فأحببت ايراد خلاصتها هنا تكميلا للفوائد فإنها غريبة في بابها ، وربما لا توجد عند كل أحد ، وها أنا أسوق لك مع اسقاط بعض ما لا يحتاج إليه وهو يسير . قال رحمه اللّه تعالى مخاطبا ولده بعد الحمدلة والصلاة ما نصه : وبعد ؛ فقد علمت ما ذكرته وفقك اللّه من أن جماعة من الحنفية في هذا الزمان تكلموا في مسألة أنا مؤمن إن شاء اللّه تعالى ، وقالوا : إن الشافعية يكفرون بذلك وساءني ذلك ، فإن هاتين الطائفتين وغيرهما من الفقهاء لا ينبغي أن يكون بينهما من الخلاف ما يفضي إلى تكفير ولا تبديع وإنما هو خلاف في الفروع ، فإنهم جميعهم من أهل السنّة ، إنما يجري في مسألة فرعية أو مسألة أصولية يرجع الخلاف فيها إلى أمر لفظي أو معنوي لا يترتب عليه كفر ولا بدعة نعوذ باللّه من ذلك ، فلما بلغني ما قلت تألمت لذلك واستهجنت قول قائله وعذرته بعض العذر ، لأني أعلم أن في كتبهم بأنه لا يصلى خلف شاك في إيمانه ، وأرادوا بذلك هذا الكلام واللّه يغفر لقائله إنما صدر من متأخرين منهم إذا حقق البحث معه رجع إلى أمر لفظي وما أرادوه به من هذه المسألة يرجع إلى ما اعتقدوه بمن يقول هذه المقالة وهو بريء بما أرادوه به ، وأئمتهم المتقدمون لم يبلغنا عنهم ذلك ، وأبو حنيفة رضي اللّه عنه وإن كان قد نقل عنه إنكار قول المؤمن : أنا مؤمن إن شاء اللّه لم ينقل عنه مثل ما قاله هؤلاء المتأخرون من أصحابه ،
هامش
( 1 ) هكذا بياض في الأصل .