. . . . . . . . . .
شرح
شاء اللّه للشك في ثبوت الإيمان حال التكلم بالاستثناء المذكور ، وإلا كان الايمان منفيا لأن الشك في ثبوته في الحال كفر ، بل ثبوته في الحال مجزوم به دون شك غير أن بقاءه إلى الوفاة عليه وهو المسمى بإيمان الموافاة الذي يوافي العبد عليه متصفا به آخر حياته غير معلوم له ، ولما كان ذلك هو المعتبر في النجاة كان هو الملحوظ عند المتكلم في ربطه بالمشيئة وهو أمر مستقبل ، فالاستثناء فيه اتباعا لقوله تعالى :وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ[ الكهف :
23 ، 24 ] ، فلا وجه لوجوب تركه إلا أنه لما كان ظاهر التركيب أمرين الاخبار بقيام الايمان به في الحال ، وأن الاستثناء يناقض الاخبار بقيام الايمان به في الحال كان تركه أبعد عن التهمة بعدم الجزم بالإيمان في الحال الذي هو كفر ، فكان تركه واجبا لذلك . وأما من علم قصده بأنه إنما استثني تبركا خوفا من سوء الخاتمة ، فربما تعتاد النفس التردد في الايمان في الحال لكثرة اشعارها بترددها في ثبوت الايمان واستمراره ، وهذه مفسدة إذ قد تجر إلى وجود التردد آخر الحياة للاعتياد به خصوصا والشيطان مجرد نفسه في هلاك ابن آدم لا شغل له سواه فيجب حينئذ تركه اه .
وفيه شيئان : الأول : قوله فالاستثناء فيه اتباع لقوله تعالى إلخ ، لا يخفى أن ما نحن فيه ليس داخلا في عموم مفهوم الآية ، لأنها في الأمر المستقبل وجود الإبقاء ، والكلام في الاستثناء الموجود حالا على احتمال أنه ربما يعرض له حال يوجب له زوالا ، ولهذا مثل مشايخنا هذا الاستثناء بنحو قوله : أنا شاب إن شاء اللّه تعالى حيث يحتمل أنه يصير شيخا وهو ليس تحته طائل وادخاله تحت قوله تعالى :وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍالآية لا يقول به قائل ، وهذا البحث أبداه ملّا علي القاري من أصحابنا . والثاني : ان إشعار اللفظ في نفسه إنما هو باعتبار التعليق وهو خلاف المفروض إذ الفرض قصد التبرك لأجل ايمان الموافاة خوفا من سوء الخاتمة ، وهذا البحث أبداه الكمال بن أبي شريف ، وحاصل القول مع قطع النظر عما يرد عليه أن المستثنى إذا أراد الشك في أصل إيمانه منع من الاستثناء وهذا لا خلاف فيه . وأما إذا أراد أنه مؤمن كامل أو ممن يموت على الإيمان فالاستثناء حينئذ جائزا لا أن الأولى تركه باللسان وملاحظته بالجنان وباللّه التوفيق .
تنبيه :
قول من قال : إن من شهد لنفسه بهذه الشهادة فليشهد لنفسه بالجنة فيه أنه لا محذور في هذا المقال ، فإنه ليس من قبيل قول القائل : أنا طويل إن شاء اللّه تعالى ، بل ينظر قولك : أنا زاهد أنا متق أنا ثائب إن شاء اللّه . إما قاصدا هضم النفس والتواضع ، وهذا إنما يتصوّر في حق الأكابر ، أو قاصدا جهله بحقيقة وجود شروطه . وهذه الأشياء في الحال أو نظرا إلى مشيئة اللّه تعالى من احتمال تغير الحال في الاستقبال ، ولذا لما سئل أبو يزيد البسطامي : هل لحيتك أفضل أم ذنب الكلب ؟ فقال : إن مت على الإسلام فلحيتي خير ، وإلّا فذنبه أحسن ، وبهذا يتبين أن من يقول :
أنا مؤمن حقا لو قيل له : أنت من أهل الجنة حقا ؟ لم يقدر أن يقول نعم ، فإنه من الأمر المبهم واللّه أعلم .