منهما ، فإن اليقينيات تختلف في درجات الايضاح ودرجات طمأنينة النفس إليها ، وقد تعرضنا لهذا في فصل اليقين من كتاب العلم في باب علامات علماء الآخرة فلا حاجة إلى
شرح
اليقينيات تختلف في درجات الإيضاح ودرجات طمأنينة النفس إليها ، وقد تعرضنا لهذا ) البحث ( في فضل اليقين من كتاب العلم في باب علامات علماء الآخرة ) وتكلمنا على ما يناسب المقام ، ( فلا حاجة إلى الإعادة ) والتكرار . وهذا يدل على تفاوت نفس الذات ، ومنع الحنفية هذا وقالوا : هو تفاوت بأمور زائدة عليها ، وعليه روي قول أبي حنيفة أنه قال : أقول إيماني كإيمان جبريل ولا أقول مثل إيمان جبريل ، لأن المثلية تقتضي المساواة في كل الصفات والتشبيه لا يقتضيه ، فلا أحد يسوّي بين إيمان آحاد الناس وإيمان الملائكة والأنبياء ، بل يتفاوت بأمور زائدة . وقالوا : ما يظن من أن القطع يتفاوت قوة إنما هو راجع إلى جلائه وظهوره وانكشافه ، فإذا ظهر القطع بحدوث العالم بعد ترتيب مقدماته المؤدية إليه كان الجزم الكائن فيه كالجزم في حكمنا الواحد نصف الاثنين ، وإنما تفاوتهما باعتبار أنه إذا لوحظ هذا كان سرعة الجزم فيه ليس كالسرعة التي في الآخر وهو الواحد نصف الاثنين خصوصا مع غيبة النظر عن ترتيب مقدمات حدوث العالم عن الذهن ، فيخيل أن الجزم بأن الواحد نصف الاثنين أقوى وليس كذلك إنما هو أجلى عند العقل فهم من وافقهم يمنعون ثبوت ماهية المشكك ويقولون : إن الواقع على أشياء متفاوتة فيه يكون التفاوت عارضا لها خارجا عنها لا ماهية له ولا جزء ماهية لامتناع اختلاف الماهية ، واختلاف جزئها . ولو سلموا ثبوت ماهية المشكك فلا يلزم كون التفاوت في افراده بالشدة فقد يكون بالأولوية وبالتقدم والتأخر ، ولو سلموا أن ما به التفاوت في افراد المشكك شدة كشدة البياض الكائن في الثلج بالنسبة إلى البياض الكائن في العاج مأخوذ من ماهية البياض بالنسبة إلى خصوص محل ، لا يسلمون أن ماهية اليقين منه لعدم دليل يوجبه .
ولو سلموا أن ماهية اليقين تتفاوت لا يسلمون أنه يتفاوت بمقدمات الماهية ، بل بغيرها من الأمور الخارجة عنها العارضة لها . وقد أجابوا عن الظواهر الدالة على قبول الزيادة أن الإيمان يتفاوت باشراق نوره في القلب وزيادة ثمراته ، فإن كان زيادة اشراق نوره هو زيادة القوّة والشدة فيه فلا خلاف في المعنى بين القائلين والنافين . إذ يرجع النزاع إلى أن الشدة والقوّة التي اتفقوا على ثبوت التفاوت بها زيادة ونقصانا هل هي داخلة في مقدمات حقيقة اليقين أو خارجة عنها ، فقد حصل الاتفاق من الفريقين على ثبوت التفاوت فيه بأمر معين والخلاف في خصوص نسبته إلى تلك الماهية ، وإن كان زيادة اشراقه غير زيادة ، فالخلاف ثابت من الأمور الخارجة عن الماهية التي ثبت بها ، وإلى هذا أشار الإمام في الارشاد حيث قال في جواب سؤال نبي من الأنبياء عليهم السّلام يفضل من عداه في الإيمان باستمرار تصديقه لاستمرار مشاهدة الموجب للتصديق والجلال والكمال بعين البصيرة بخلاف غيره حيث يعرب عنه ويحضر ، فيثبت للنبي وأكابر المؤمنين أعداد من الإيمان لا يثبت لغيرهم إلا بعضها ، فاستمرار حضور الجزم قد يخال زيادة قوّة في ذاته وليس إياه أو إياه وليس داخلا اه .