تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
عقدة على القلب تارة تشتد وتقوى وتارة تضعف وتسترخي كالعقدة على الخيط مثلا . ولا تستبعد هذا واعتبره باليهودي وصلابته في عقيدته التي لا يمكن نزوعه عنها بتخويف وتحذير ولا بتخييل ووعظ ولا تحقيق وبرهان ، وكذلك النصراني والمبتدعة وفيهم من يمكن تشكيكه بأدنى كلام ويمكن استنزاله عن اعتقاده بأدنى استمالة أو تخويف مع أنه غير شاك في عقده كالأول ولكنهما متفاوتان في شدة التصميم . وهذا موجود في الاعتقاد الحق أيضا ، والعمل يؤثر في نماء هذا التصميم وزيادته كما يؤثر سقي الماء في نماء الأشجار ، ولذلك قال تعالى :
فَزادَتْهُمْ إِيماناً
[ التوبة : 124 ] . وقال تعالى :
شرح
الخواص ، ولما كان ربما يظن من ذكر العوام أن المراد بهم السوقة خاصة فاضرب على ذلك وقال : ( بل الخلق كلهم ) فدخل فيهم المشتغلون بالعلوم الظاهرة ممن لم يكشف لهم من أسرار الحق شيء ، فهم كذلك بمنزلة العوام وايمانهم كإيمانهم ، بل ربما ان بعض السوقة إذا ألقي إليه شيء من خواص الايمان يتلقاه بالاقبال عليه ، وهؤلاء بمعزل عنه لما نشأ في طباعهم من تحصيل علومهم العجب والحسد والكبر وسائر المذام ، فلا يستقر في قلبه ما يلقى إليه حسبما ألفه من طبعه من مناقضة ومنع ورد وابطال كما تقدمت إليه الإشارة في أوّل الكتاب ، ( إلا الخواص ) من الناس المستثنون من هؤلاء وهم الذين أفاض اللّه على قلوبهم بأنوار المعارف ، وحلاهم بحلية الوقار والسكينة ، وأنعم عليهم بأنواع اللطائف . وهذا السياق من المصنف يؤيد القائلين بصحة إيمان المقلد لوجود أصل التصديق عنده . وقد تقدم الكلام على هذه المسألة قريبا . ( وهذا الاعتقاد عقدة ) أي بمنزلة عقدة ( على القلب تارة يشتد ويقوى ، وتارة يضعف ويسترخي ) ثم ضرب له مثلا في الشاهد فقال : ( كالعقدة على الخيط مثلا ) فإنه مشاهد فيه ذلك ، ( ولا تستبعد ) أيها السامع ( هذا ) الذي ذكرته لك ( واعتبر باليهودي وصلابته ) أي شدته ( في عقيدته ) السخيفة ( التي لا يمكن نزعها ) وإخراجها ( منه بتخويف ) وتهديد ( وتحذير ) من النكال به ( ولا بتخييل ) وتصوير للعقائد الحقة له ( و ) لا بزجر و ( وعظ ) ونصيحة باللين والاستمالة ( ولا بتحقيق وبرهان ) على تلك المسائل التي تلقى عليه ، ( وكذلك ) حال ( النصراني والمبتدعة ) من المعتزلة والخوارج والرافضة ، وهذا مشاهد لمن حادثهم في العقائد الدينية ( وفيهم من يمكن تشكيكه ) أي ادخال الشك عليه ( بأدنى كلام ) وأقرب ايهام ، ( ويمكن استنزاله عن ) عصم ( اعتقاده بأدنى استمالة ) وتخييل ، ( أو ) أدنى ( تخويف ) وتهديد ( مع أنه غير شاك في عقده ) أي فيما عقده بقلبه ( كالأوّل ) أي : كالمتصلب في عقيدته ، ( ولكنهما متفاوتان في شدة التصميم وزيادته ) والتصميم في الأمر المضي فيه ، ( كما يؤثر سقي الماء في نماء الأشجار ، ولذلك قال ) اللّه ( تعالى ) في سورة براءة :فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا ( فَزادَتْهُمْ إِيماناً )[ التوبة : 124 ] أي السورة بزيادة العلم الحاصل من تدبرها وبانضمام الايمان بها وبما فيها إلى إيمانهم . ( وقال تعالى ) في سورة الفتح :لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 405 | مرتضى الزبيدي