السلف هم الشهود العدول وما لأحد عن قولهم عدول فما ذكروه حق ، وإنما الشأن في فهمه ، وفيه دليل على أن العمل ليس من أجزاء الإيمان وأركان وجوده ، بل هو مزيد عليه يزيد به والزائد موجود والناقص موجود والشيء لا يزيد بذاته ، فلا يجوز أن
شرح
الطاعات إليه ولا ينقص بارتكاب المعاصي إذ التصديق في الحالين على ما قبلهما ، وهذا مخالف لما ذهب إليه السلف فكيف التطبيق بين القولين ؟ ثم إن المراد بالسلف هنا القائلين بزيادته ونقصه جماعة من الصحابة : عمر بن الخطاب ، وعلي ، وابن مسعود ، ومعاذ ، وأبو الدرداء ، وابن عباس ، وابن عمر ، وعمار ، وأبو هريرة ، وحذيفة ، وعائشة رضي اللّه عنهم . ومن التابعين : كعب الأحبار ، وعروة ، وطاووس ، وعمر بن عبد العزيز . ومن الأئمة : الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق .
كما رواه اللالكائي في كتاب السنّة وإليه ذهب البخاري فقال في أوّل كتاب الإيمان : وهو قول وعمل يزيد وينقص ، بل روي عنه بسند صحيح أنه قال : لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا يختلف فيه ، وبه قال عامة الأشاعرة ، ومن المتكلمين أهل النظر والفقهاء والصوفية . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يزيد الايمان ولا ينقص ، واختاره أبو منصور الماتريدي ، ومن الأشاعرة إمام الحرمين وجمع كثير ، وتوقف مالك عن القول بنقصانه . هذا هو المشهور من مذهبه على أنه اختلف قوله كما في رواية العتبية على الاحتمالات الثلاث . ورأيت في ( الأسماء والصفات ) لأبي منصور البغدادي نقل عن الأشعري في مقالاته عن أبي حنيفة ما نصه ، وقال : إن الإيمان لا يتبعض ولا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل الناس فيه ، وحكى غسان وجماعة من أصحاب أبي حنيفة عنه أنه يزيد ولا ينقص اه . نص مقالات الأشعري .
وهذا الذي حكاه غسان وجماعة عنه هو بعينه قول مالك ، ولكن لم يشتهر في المذهب ، وقد شرع المصنف في تحقيق هذه المسألة حيث قال : ( فأقول السلف ) الصالحون ( هم الشهود العدول ) لأخبار وردت في ذلك منها : « خير القرون قرني ثم الذين يلونهم » وقد أثنى عليهم اللّه سبحانه في مواضع من كتابه العزيز منها قوله :رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ[ المائدة :
119 ] ، ومنها : واتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ[ التوبة : 100 ] ( وما لأحد ) ممن بعدهم ( عن قولهم ) الذي قالوه ورأيهم الذي رأوه ( عدول ) أصلا ، وبين العدول والعدول جناس تام ، ( فما ذكروه ) وذهبوا إليه ( حق ) ثابت لا ننكره ، ( وإنما الشأن في فهمه ) أي فهم ما قالوه وحمله على أحسن محامله . ولذا قال الفخر الرازي : الخلاف مبني على أخذ الطاعات في مفهوم الايمان وعدمه ، فعلى الأوّل إن كان على وجه الركنية كما نقل عن الخوارج ، أو على وجه التكميل كما نقل عن المحدثين يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها ، وعلى الثاني لا لأنه اسم للتصديق الجازم مع الإذعان ، وهذا لا يتغير بضم الطاعات ولا المعاصي ، وسيأتي البحث فيه . ( وفيه دليل على أن العمل ) بالجوارح ( ليس من أجزاء الايمان ) التي تتركب منها ماهيته ( و ) لا من ( أركان ) وجوده بحيث لا يوجد ، ولا يتحقق إلا به كما هو شأن الركنية ، ( بل هو مزيد عليه ويزيد به ) إذا وجد معه وينقص إذا انعدم ( والزائد موجود والناقص موجود ) وهو