مسألة : فإن قلت : فقد اتفق السلف على أن الإيمان يزيد وينقص يزيد بالطاعات وينقص بالمعصية ، فإذا كان التصديق هو الإيمان فلا يتصور فيه زيادة ولا نقصان ؟ فأقول :
شرح
تنبيه :
قال الفخر الرازي : الأعمال خارجة عن مسمى الايمان ، والقائلون بأنها داخلة تحت اسم الايمان اختلفوا ، فقال الشافعي رحمه اللّه : الفسق لا يخرج عن الايمان وهذا في غاية الصعوبة لأنه إذا كان اسما لمجموع الأمور فعند فوات بعضها يفوت ذلك المجموع إذ المجموع ينتفي بانتفاء جزئه ، فوجب أن ينتفي الايمان . وأما المعتزلة والخوارج فأصلهم مطرد لنا أن الأعمال عطف على الايمان في غير موضع من كتاب اللّه عز وجل والمعطوف غير المعطوف عليه ، ولأنه شرط لصحة الأعمال كما في قوله تعالى :وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ[ طه : 112 ] ، والشرط غير المشروط . وقال اللّه تعالى :وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[ الأنفال : 1 ] ، ولو لم يكن الايمان معرفة عندهم لكان ذلك شرطا غير مفيد ، وقد خاطب باسم الايمان ثم أوجب الأعمال فقال :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ[ البقرة :
183 ] ، وهذا دليل التغاير ، وقصر اسم الايمان على التصديق ، ولهذا افزع أعداء اللّه تعالى عند معاينة العذاب والبأس إلى التصديق دون غيره من الأعمال نحو قول فرعون لما أدركه الغرق :آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ[ يونس : 90 ] ، وقول قوم يونس عليه السّلام :آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ[ غافر : 84 ] وتشبثهم بقوله تعالى :وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ[ البقرة : 143 ] أي صلاتكم عند بيت المقدس لا يتم لأن المراد بهذا الإيمان التصديق أيضا غير أن المراد به تصديقهم بكون الصلاة جائزة عند التوجه إلى بيت المقدس ، ويحتمل أن يراد به نفس الصلاة إلا أنها سميت إيمانا مجازا إما لأنها لا تصح بدون الايمان ، فكان الايمان شرط جوازها وسبب قبولها ، أو لدلالتها على الايمان على أن الاسم محمول على المجاز بالاجماع ، فإنهم ما جعلوا الايمان اسما لكل فرد من أفراد العبادات حتى لا يكون الخارج عن الصلاة خارجا عن الايمان ولا مفسد الصلاة مفسدا للإيمان ، وكذا هذا في الصوم والحج ، ثم أطلق اسم الجملة على كل فرد من أفراد الجملة مجاز ، وإذا كان الاسم مجازا كان حمله على ما ذكرنا أحق لما فيه من مراعاة معنى اللغة ، واللّه أعلم .