فإن قلت : فقد مال الاختيار إلى أن الإيمان حاصل دون العمل ، وقد اشتهر عن السلف قولهم : الإيمان عقد وقول وعمل ، فما معناه ؟ قلنا : لا يبعد أن يعد العمل من
شرح
بعضهم من بعض وكل أهل مذهب يكفر أهل مذهب آخر فلا توارث بينهما ، وكذلك كل صنف من أهل الكفر يكفر صنفا آخر منهم فهما ملتان لا توارث بينهما ، وبه قال الزهري ، وربيعة ، والنخعي ، والحسن بن جني ، وأحمد بن حنبل . وقال قوم : أموال أهل الأهواء لأهل بدعتهم فلا يورث ، وكذلك قالوا في مال المرتد إذا مات انه لأهل الدين الذين ارتد إليهم دون المسلمين ، وبه قال قتادة وبعض أهل الظاهر . واختلف أهل الحق في الطفل إذ ولد بين أبوين من أهل القدر أو التشبيه أو نحوهما من أهل البدع فمات أحد الأبوين ، فمنهم من قال : حكمه في الميراث حكم المسلم منهما في الميراث وفي سائر الأحكام ، وإلى هذا ذهب شريح ، والحسن والنخعي ، وعمر بن عبد العزيز ، والشافعي ، وأبو حنيفة . وقال مالك : الاعتبار في هذا الباب بموت الأب دون الأم ، وكذلك حكم الطفل بين الكافرين إذا أسلم أحدهما كان الاعتبار فيه بالأب ، وكان الطفل في دينه وفي سائر أحكامه لأن النسب معتبر به دون الأم . وقال آخرون :
باعتبار حكم الطفل بإسلام الأم وتوبتها عن البدعة دون الأب فيكون حكمه تابعا لحكمها كما يعتبر حكمه بحكمها في الرق والحرية وباللّه التوفيق .
( فإن قلت : فقد مال الاختيار ) والترجيح بما ذكرت آنفا ( إلى أن الايمان حاصل ) بذاته ( دون العمل ) حيث جعلت مفهومه التصديق بالقلب أو به وباللسان ، ( وقد اشتهر عن السلف ) الصالحين ( قولهم ) أي صح عنهم أنهم قالوا : ( الايمان عقد وقول وعمل فما معناه ) بينوا لنا ؟ أما تحقيق معتقد السلف في الإيمان فقد ذكر عبد القاهر البغدادي أن الذين قالوا أن الايمان بالقلب واللسان وسائر الأركان فهم خمس فرق : إحداها : أصحاب الحديث ، والثانية :
الزيدية ، والثالثة : الامامية ، والرابعة : المعتزلة ، والخامسة : الخوارج ، فأما أصحاب الحديث قد اختلفت عباراتهم في حقيقة الايمان وحده ثم سرد عباراتهم وأقوالهم إلى أن قال : ومنهم من قسم الإيمان على أنواع ، فأعلى الايمان معرفة بالقلب واقرار باللسان وعمل بالأركان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان هذا قول عامة أصحاب الحديث وفقهائهم مثل مالك والشافعي والأوزاعي وأهل المدينة وأهل الظاهر وأحمد وإسحاق وسائر أئمة الحديث ، وبه قال من متكلميهم الحرث بن أسد المحاسبي ، وأبو العباس القلانسي ، وأبو علي الثقفي ، وأبو الحسن الكبير الطبري اه .
قلت : وإلى هذا ميل صاحب القوت وعباراته دالة عليه . وقال : وقد روي ذلك مفصلا في حديث علي رضي اللّه عنه : الإيمان قول باللسان وعقد بالقلب وعمل بالأركان ، ثم قال : فادخل أعمال الجوارح في عقود الايمان ، وقد ظهر من السياقين نسبة هذا القول إلى السلف ، وصح قول المصنف واشتهر عن السلف ، وأشار إلى الجواب بقوله : ( قلنا : لا يبعد أن يعد العمل من