تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[ سورة العصر ] ، وقوله تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها * كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ،
ثم قال :
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا
[ مريم : 71 ، 72 ] ، وقوله تعالى :
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ .
وكل آية ذكر اللّه عز وجل العمل الصالح فيها مقرونا بالإيمان . وقوله تعالى :
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها
[ النساء : 93 ] ، وهذه العمومات أيضا مخصوصة بدليل قوله تعالى :
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ النساء : 48 ] فينبغي أن تبقى له
شرح
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَوكذا ( كل آية ذكر اللّه عز وجل العمل الصالح مقرونا فيها بالإيمان ) . فإنها متمسكهم في جعلهم الأعمال شرطا في صحة الإيمان ، كما أن قوله : من يعص اللّه ( وقوله تعالى :وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ )[ النساء : 48 ] متمسكهم في تخليد صاحب الكبيرة في النار . ( وهذه العمومات أيضا مخصوصة بدليل قوله تعالى :وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ[ النساء : 93 ] فينبغي أن تبقى له مشيئة في مغفرة ما سوى الشرك ) . قال ملا علي في شرح الفقه الأكبر : ذهب بعض المعتزلة إلى أنه إذا اجتنب الكبائر لم يجز تعذيبه لا بمعنى يمتنع عقلا ، بل بمعنى أنه لا يجوز أن يقع لقيام الأدلة السمعية على أنه لا يقع كقوله تعالى :إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ[ النساء : 31 ] وأجيب : بأن الكبيرة المطلقة هي الكفر لأنه الكامل ، وجمع الاسم بالنظر إلى أنواع الكفر وإن كان الكل ملة واحدة في الحكم أو إلى أفراده القائمة من قاعدة أن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد بالآحاد كقولنا : ركب القوم دوابهم ولبسوا ثيابهم . كذا في شرح العقائد ، فيكون التقدير على التقدير الأول أن تجتنبوا أنواع الكفر ، وفيه : أنه يلزم حينئذ أن لا يجوز العقاب على ما عدا الكفر صغيرة كانت أو كبيرة اللهم إلا أن يقال المعنى نكفر عنكم سيئاتكم المكتسبة قبل اجتناب الكفر ، فيكون الخطاب للكفرة ، وقيل : يقدر فيه استثناء المشيئة أي نكفر عنكم سيئاتكم إن شئنا . ثم نقل عن شيخنا العلامة عبد اللّه السعدي أنه كان يقول في هذا المقام : ان تقدير الاستثناء يغني عن حمل الكبائر على الكفر اه . قلت : ما قدر الاستثناء إلا لتصحيح حمل الكبائر على الكفر دفعا للزوم المتقدم . إذ لو حملت الكبائر على عمومها لما صح الاستثناء لزوم انحصار الصغيرة تحت المشيئة وخروج الكبيرة هو خلاف نص :إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِالآية . وأيضا يلزم كون الصغيرة تحت المشيئة بشرط اجتناب الكبائر وليس كذلك ، بل قد تكفر الصغيرة بمكفر أو بعفو اللّه تعالى ولو كان صاحبها يرتكب كبيرة . وقال العلامة عصام : إنها في معنى الآية أن المعلق عليه تكفير السيئات هو الإجتناب عن الكفر فيدخل في التكفير الكبائر أيضا ، ولا خلاف أنها لا تكفر بمجرد الإجتناب عن الكفر ، فالمغفرة والتكفير لا بد له من تعليق آخر وهو المشيئة عندنا مطلقا والتوبة في الكبائر عند