يماثل قربه قرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام ، وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان ، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان . وإنه بائن عن خلقه بصفاته ليس في ذاته سواه ولا في سواه ذاته وأنه مقدس عن التغير والانتقال . لا تحله الحوادث ولا تعتريه العوارض بل لا يزال في نعوت جلاله منزها عن الزوال وفي صفات كماله مستغنيا عن زيادة الاستكمال ، وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول مرئي الذات بالأبصار نعمة منه ولطفا بالأبرار في دار القرار وإتماما منه بالنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم .
شرح
لأجل علمه القديم ولم يزل شهيدا . ( إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ) الشريفة ( ذات الأجسام ، وأنه ) تعالى ( لا يحل في شيء ) لا ذاته ولا صفاته . أما ذاته فلأن الحلول هو الحصول في الحيز تبعا ، واللّه تعالى منزه عن التحيز ، ولأن الحلول ينافي الوجوب الذاتي لافتقار الحال إلى المحل ، وأما صفاته فلأن الإنتقال من صفات الأجسام واللّه تعالى منزه عن الجسمية كما مرّ ، ( ولا يحل فيه شيء تعالى ) وتقدس ( عن أن يحويه مكان ) فيشار إليه أو تضمه جهة ، وإنما اختصت السماء برفع الأيدي إليها عند الدعاء لأنها جعلت قبلة الأدعية ، كما أن الكعبة جعلت قبلة للمصلي يستقبلها في الصلاة ، ولا يقال : أن اللّه تعالى في جهة الكعبة ( كما تقدس عن أن يحده زمان ) لأن المحدود محتو على أجزاء الماهية ، واللّه تعالى منزه عن ذلك كما تقدم ، ( بل كان ) تعالى ( قبل أن خلق الزمان والمكان ) والعرش والكرسي والسماوات والأرضين ، ( وهو الآن على ما عليه ) من صفة الأزلية كما ( كان ) قبل خلقه الزمان والمكان وغيرهما ، ( وأنه ) تعالى ( بائن عن خلقه بصفاته ) العلية ( ليس في ذاته سواه جل وعزّ ولا في سواه ذاته ) الشريفة ( وأنه ) تعالى ( مقدس ) منزه ( عن التغير ) من حال إلى حال ( والإنتقال ) من مكان إلى مكان ، وكذا الاتصال والانفصال فإن كلا من ذلك من صفات المخلوقين ( لا تحله الحوادث ) ولا تقوم به ، لأنه لو جاز ذلك لزم عدم خلوه عن الحادث لاتصافه قبل ذلك الحادث بضده الحادث لزواله وبقابليته هو ( ولا تعتريه العوارض ) وهي الآفات العارضة والأكدار والكثافات والأدناس ، وهو سبحانه وتعالى منزه عن ذلك ، ( بل لا يزال في نعوت جلاله ) وأوصاف كماله ( منزها عن ) نقص ( الزوال وفي زيادة كماله مستغنيا عن زيادة الإستكمال ) : إذ كل كمال فإنما يفاض منه بدأ وإليه يعود ، ( وأنه ) تعالى ( في ذاته معلوم الوجود بالعقول ) إن طلب من خزانة العقل بطريق الإستدلال ( مرئي الذات بالأبصار منة منه ) وفضلا ( ولطفا بالأبرار ) في دار الدنيا و ( في دار القرار ) عقلا وسمعا وعليه أجمعت العلماء وفي جواز الرؤية في الدنيا سمعا اختلاف فأثبته قوم ونفاه آخرون كما سيأتي تفصيله ( وإتماما للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم ) لقوله تعالى :وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى