تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
والجبروت له السلطان والقهر والخلق والأمر والسماوات مطويات بيمينه ، والخلائق مقهورون في قبضته . وإنه المنفرد بالخلق والاختراع المتوحد بالايجاد والابداع خلق الخلق وأعمالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم لا يشذ عن قبضته مقدور ، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور لا تحصى مقدوراته ولا تتناهى معلوماته . ( العلم ) : وأنه عالم بجميع المعلومات محيط بما يجري من تخوم الأرضين إلى أعلى
شرح
قادرا ، والأول أصوب ، والمعنى أن اللّه تعالى هو الذي قهر الجبابرة في الدنيا بالدمار ويقهر جميع أعدائه في الآخرة بالبوار ، وهذه الجمل الثلاثة مسوقة لإيضاح الأسماء لأربعة أي من كان متصفا في الأزل بهذه الأوصاف يستحيل عليه طرق القصور والعجز والغفلة ومعارضة الفناء والموت ، ( وأنه ذو الملك ) هو عالم الشهادة من المحسوسات الطبيعية ( والملكوت ) هو عالم الغيب المختص بأرواح النفوس ، وقيل : هما مصدران والمعنى أنه تعالى هو المالك حقيقة ، وكل مالك سواه فإنما يصير مالكا لمملوكه بتمليك اللّه عز وجل إياه من وجه مأذون فيه واللّه سبحانه وتعالى هو الذي أوجد ما أوجد وأعدم منها فمنه بدء كل مملوك وإليه يعود ( والعزة ) أي المنعة ( والجبروت ) أي العظمة ( له السلطان ) أي القوة ( والقهر ) أي الغلبة ( والخلق والأمر والسماوات ) وما فيها ( مطويات ) أي ملفوفات ( بيمينه ) أي : قدرته ، ( والخلائق ) أجمعون ( مقهورون في قبضته ) وقهره وهو الغالب على كل شيء ولا يغلبه شيء ( وأنه المتفرد بالخلق والاختراع المتوحد بالإيجاد والإبداع ) أشار بذلك إلى وحدانية الأفعال وهي تنفي أن يكون فعل واختراع أو إيجاد أو إبداع لغيره تعالى من الممكنات ، وأما وحدانية الذات التي هي عبارة عن سلب التعدد في الذات والصفات والأفعال ، ووحدانية الصفات وهي نفي التعدد المتصل والمنفصل ، فقد أشار بذلك أولا وكل من الخلق والاختراع والإيجاد والإبداع خاص بالمولى عز وجل إلا أن الخلق هو الإيجاد مطلقا والاختراع هو الإيجاد لا على مثال سابق ، فلذلك قال : ( خلق الخلق ) بقدرته ( و ) خلق ( أعمالهم ) لقوله تعالى :وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ[ الصافات : 96 ] والخلق : هو إنشاء الشيء واختراعه وإحداثه من العدم إلى الوجود ، وهذا لا يكون إلا من اللّه عز وجل عند أهل الحق ، وعلى هذا يحمل غالب ما في القرآن من هذا اللفظ إلا ما شذ فيه بمعنى التقدير والتصوير ( وقدر أرزاقهم ) وأقواتهم وأعطاهم منها ما قدره لهم ( و ) قدر ( آجالهم ) وهي المدد التي ينتهون إليها ، فالمقدر بهذا المعنى من أوصافه الفعلية دون الأزلية ( لا يشذ ) أي : لا يخرج ( عن قبضته ) القاهرة ( مقدور ) لكمال قهره ، ( ولا يعزب ) أي لا يغيب ( عن قدرته ) الباهرة ( تصاريف الأمور ) وتدبيراتها ( لا تحصى مقدوراته ) ، فإن كل ما صح حدوثه وتوهم كونه ولم يستحل في العقل وجوده ، فاللّه تعالى قادر على إيجاده واحداثه فإذا مقدوراته لا تحصى ( ولا تتناهى معلوماته ) أي : لا تدخل تحت العد والإحصاء لأن علمه محيط بها جملة وتفصيلا . ( العلم ) : وهي الصفة الثانية من صفات المعاني وهو المتعلق بكل واجب وكل مستحيل وكل
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 40 | مرتضى الزبيدي