الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام وانه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر ولا بعرض ولا تحله الأعراض ، بل لا يماثل موجودا ولا يماثله موجود
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] ولا هو مثل شيء وأنه لا يحده المقدار ولا تحويه الأقطار ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السماوات . وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله ، وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال .
شرح
شأن الأجسام واللّه منزه عن ذلك ، ( وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر ولا بعرض ولا تحله الاعراض ) لأنه لو كان جوهرا أو عرضا لجاز عليه ما يجوز على الجواهر والإعراض ، وإذا جاز ذلك لم يصح أن يكون خالقا واللّه خالق كل شيء فالأشياء كلها مخلوقة غير اللّه وصفاته ، وأيضا الأعراض صفات الأجسام كاللون والطعم والرائحة والحرارة والبرودة والاجتماع والافتراق والحركة والسكون والإختصاص بالجهات والتحيز في المكان والعرض لا يبقى زمانين ولا يقوم بنفسه وإنما يقوم بغيره . وكل ذلك حادث مخلوق متغير ، وجميع المخلوقات من العوالم العلوية والسفلية ينقسم إلى ذلك واللّه خالقه جل جلاله ، ( بل لا يماثل موجودا ولا يماثله موجود ) لأنه لو كان كذلك لكان مخلوقا مثل ذلك من حيث أنه يماثله ، لأن الموجودات كلها مخلوقة للّه تعالى غير اللّه وصفاته ( و ) أنه ( ليس كمثله شيء ) والكاف زائدة أي ليس مثله شيء . أو المراد بالمثل ذاته ( ولا هو مثل شيء ) وسيأتي البحث فيه ( و ) أنه تعالى ( لا يحده المقدار ولا تحويه ) أي لا تضمه ( الأقطار ) جمع قطر بالضم أي الأطراف ( ولا تحيط به الجهات الست ) ، بل هو المحيط بكل شيء بعلمه وقدرته وسلطانه ، ( ولا تكتنفه الأرضون ولا السماوات ) يقال : اكتنفه القوم كانوا منه يمنة ويسرة أي أنه سبحانه لامكان له ولا جهة . قال الشافعي رحمه اللّه تعالى : والدليل عليه هو أنه تعالى كان ولامكان فخلق المكان وهو على صفة الأزلية كما كان قبل خلقه المكان لا يجوز عليه التغيير في ذاته ولا التبديل في صفاته . وقال إمام الحرمين في لمع الأدلة : والدليل على تقدسه تعالى عن الإختصاص بجهة والاتصاف بالمتحاذيات ، وأنه لا تحده الإقطار ولا تكتنفه الأقدار ، ويجل عن قبول الحد والمقدار إن كل مختص بجهة شاغل لها ، وكل متحيز قابل لملاقاة الجواهر ومفارقتها ، وكل ما يقبل الاجتماع والافتراق لا يخلو عنهما وما لا يخلو من الافتراق والاجتماع حادث كالجواهر ، فإذا ثبت تقدس الباري عن التحيز والإختصاص بالجهات فيترتب على ذلك تعاليه عن الإختصاص بمكان وملاقاة أجرام وأجسام ، فقد بان لك تنزيه ذاته سبحانه عن كل ما لا يليق بجلاله وقدوسيته ( وأنه ) تعالى ( مستو على العرش على الوجه الذي قاله ) في كتابه العزيز :الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى[ طه : 5 ] ( وبالمعنى الذي أراده ) بما يليق به هو سبحانه أعلم به ، كما جرى عليه السلف في المتشابه من التنزيه عما لا يليق بجلال اللّه تعالى مع تفويض علم معناه إليه ، لا كما قاله بعض من أجاز أن يكون على العرش قاعدا كما يكون الملك على سريره على شيء ( بل استواء منزها عن المماسة ) والمحاذاة ( والاستقرار والتمكن ) على شيء ( والحلول ) في شيء ( والإنتقال ) من مكان إلى آخر لقيام