السماوات ، وأنه عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ، ويدرك حركة الذر في جو الهواء ويعلم السر وأخفي ، ويطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات السرائر بعلم قديم أزلي لم يزل موصوفا به في أزل الآزال لا بعلم متجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال .
الإرادة : وأنه تعالى مريد للكائنات مدبر للمحادثات فلا يجري في الملك
شرح
جائز ، وهو صفة أزلية لها تعلق بالشيء على وجه الإحاطة به على ما هو عليه دون سبق خفاء ( وأنه ) تعالى ( عالم بجميع المعلومات ) موجودا كان ذلك المعلوم أو معدوما محالا كان أو ممكنا قديما كان أو حادثا متناهيا كان أو غير متناه جزئيا كان أو كليا مركبا كان أو بسيطا ( محيط بما يجري من تحت تخوم الأرضين إلى أعلى السماوات ) قال تعالى :أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً[ الطلاق : 12 ] أي علمه أحاط بالمعلومات كلها ، فعلى هذا التأويل يكون المحيط من أوصافه الأزلية لأنه لم يزل عالما بالمعلومات كلها ، ودليل هذه الإحاطة قوله تعالى : « لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماوات » « 1 » وكذلك قوله عز وجل :وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ[ الجن : 28 ] بل أطبق المسلمون على أنه تعالى ( يعلم دبيب ) أي : حركة ( النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ) وكيف وهو خالقهاأَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[ الملك : 14 ] وإيراد هذه الأوصاف تنبيها على كمال الدقة والخفاء ( ويدرك ) بلا آلة ( حركة الذر ) وهو الهباء المنتشر في ضوء الشمس ( في جو الهواء و ) أنه تعالى ( يعلم السر وأخفى ) من السر وهو ما يطرأ وجوده في ضمير صاحبه فيعلمه قبل أن يقع بخاطر صاحبه ، وقيل : أخفى فعل أي وأخفى ذلك من خلقه ثم زاده أيضاحا بقوله : ( ويطلع على هواجس الضمائر ) هي ما تقع فيه ( وحركات الخواطر ) مما تخطر بها ( وخفيات السرائر ) مما تكنها فيها ( بعلم قديم ) موصوف بالقدم ( أزلي ) غير مسبوق بالعدم بحضورها عنده بلا انتزاع صورة ولا انتقال ولا اتصاف بكيفية ( لا بعلم حادث متجدد حاصل في ذاته بالحلول والإنتقال ) ، كما ذهب إليه جهم بن صفوان والرافضة ، وسيأتي تفصيل أقوالهم والرد في شرح الرسالة القدسية .
( الإرادة ) : وهي الصفة الثالثة من صفات المعاني ويذكرها المتأخرون مع القدرة لتعلقهما بجميع الممكنات دون الواجبات والمستحيلات إلا أن جهة تعلقهما بالممكنات مختلفة ، فالقدرة كما مر صفة أزلية تؤثر في الممكن عند تعلقها به إيجادا أو إعداما والإرادة صفة أزلية تؤثر في اختصاص أحد طرفي الممكن من وجود وعدم أو طول وقصر ونحوها . بالوقوع بدلا عن مقابلة فصار تأثير القدرة فرع تأثير الإرادة إذ لا يوجد عز وجل من الممكنات أو يعدم بقدرته إلا ما
هامش
( 1 ) سورة سبأ ، الآية : 3 وتصويب الآية :لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ .