( الحياة والقدرة ) : وأنه تعالى حي قادر جبار قاهر لا يعتريه قصور ولا عجز ، ولا تأخذه سنة ولا نوم ، ولا يعارضه فناء ولا موت ، وأنه ذو الملك والملكوت والعزة
شرح
رَبِّها ناظِرَةٌ[ القيامة : 22 ، 23 ] ثم أعلم أن صفات اللّه تعالى على ثلاثة أقسام : نفسية ، وسلبية ، ومعان . ومن أثبت الأحوال زاد المعنوية . فالصفة النفسية ، الوجود وهي الحال الواجب للذات ما دامت الذات غير معللة بعلة ، فخرج من قول الحال المعاني ، والسلبية ومن قوله غير معللة الأحوال المعنوية ، ككون الذات عالمة وقادرة ومريدة مثلا فإنها معللة بقيام العلم والقدرة والإرادة بالذات . وأما القسم الثاني : وهو خمس صفات القدم والبقاء ومخالفته تعالى للحوادث أي لا يماثله شيء منها مطلقا لا في الذات ولا في الصفات ولا في الأفعال وقيامه تعالى بنفسه أي غير مفتقر إلى محل ومخصص والوحدانية وهي سلب التعدد في الذات والصفات والأفعال ، وقد أشار المصنف إلى كل ذلك تصريحا تارة وتلميحا أخرى ، ولما فرغ منها شرع في بيان صفات المعاني ، ويقال لها أيضا : صفات الذات ، وصفات الإكرام ، وصفات الثبوت وتقديم السلبية عليها من باب تقديم التخلية على التحلية ، وإنما سميت صفات المعاني لأنها صفات موجودة في نفسها ، وكل صفة موجودة في نفسها تسمى صفة معنى لأنها معان زائدة على معنى الذات العلية وعند المتقدمين لا فرق بين المعاني والمعنوية .
قال المصنف رحمه اللّه ( القدرة ) : وهي صفة أزلية تؤثر في الممكن عند تعلقها به إيجادا أو إعداما ( وأنه ) تعالى ( حي ) بحياة هي صفة أزلية له لا يجوز عدمها ولا زال حيا أبدا ، وليست حياته عن روح ، ولا عن لحمية ورطوبة ، ولا عن تركيب ، ولا عن نفس ، ولا عن سبب يوجب حدوثا أوعيا ، وهذه هي الصفة الرابعة من صفات المعاني في تعبير المتأخرين أوردها المصنف في ضمن صفة القدرة ( قادر ) بقدرة هي صفة أزلية له ولا يزال قادرا أبدا ( جبار ) قيل : معناه الذي جبر الخلق على ما أراده من أمره ، وهو قول الزجاج . وقيل : معناه جابر كل كسير ، وقيل :
هو القاصم للجبابرة والطغاة والمبيد للظلمة والعتاة وقيل : معناه ذو الجبروت ، وقيل : معناه الذي يتعظم ويتعاظم . وقال ابن الأنباري : هو الذي لا ينال أي هو المتعالي عن أن يدرك بحد ، وقيل :
معناه القهار ومنه قوله تعالى :وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ[ ق : 45 ] أي قهار . قال أبو منصور البغدادي : إن أخذ من معنى الامتناع عن أن ينال بحد أو تشبيه ، فهو إذا من الصفات الذاتية التي استحقها لنفسه ، وإن أخذ من معنى الإجبار الذي هو الإكراه على ما أراده من أمر أو من معنى جبرا لكسر أو من معنى القهر والغلبة ، فهو إذا من أوصافه التي استحقها لفعله دون ذاته .
( قاهر ) أي غالب على أمره يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ( لا يعتريه قصور ولا عجز ) خلافا للثنوية والمجوس والقدرية ( ولا تأخذه سنة ولا نوم ) والسنة بالكسر ما يعتري من النعاس فهو أخص من النوم ( ولا يعارضه فناء ولا موت ) تعالى اللّه عن ذلك كله ، فالقهر صفة فعل بمعنى الغلبة ، فيكون القاهر من أوصافه المشتقة من أفعاله ، ولا يكون من أوصافه الأزلية ، وتأوله بعضهم على معنى القدرة ، وعلى هذا يكون في الأزل قاهرا كما كان في الأزل