تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
لا يحمله العرض ، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته ، وهو فوق العرش والسماء ، وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى ، فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء كما لا تزيده بعدا عن الأرض والثرى ، بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى ، وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
[ سبأ : 47 ] إذ لا
شرح
البراهين القطعية باستحالة ذلك في حقه تعالى ، فإن ذلك كله من صفة استواء الأجسام بالأجسام ( لا يحمله العرش ) كما يقوله بعض المجسمة نظرا إلى ظاهر لفظ فوق ( بل العرش وحملته ) وهم الملائكة الموكلون بحمله ( محمولون بلطف قدرته ) الباهرة ( ومقهورون في قبضته ) القاهرة ، ( وهو ) تعالى ( فوق العرش والسماء وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى ) أي حدود الأرض جمع تخم كفلوس وفلس ، وقال ابن الأعرابي ، وابن السكيت : الواحد تخوم والجمع تخم كرسول ورسل ( فوقية ) تليق بجليل ذاته بحيث ( لا تزيده قربا إلى العرش والسماء كما لا تزيده بعدا عن الأرض والثرى ) قال أبو إسحاق الشيرازي : فلو كان في جهة فوق لما وصف العبد بالقرب منه إذا سجد بل هو تعالى ( رفيع الدرجات ) والرفعة : العلو يقال : هو رفيع القدر أي عالي المنزلة والشرف ، والدرجات : جمع درجة والمراد بها المرتبة المعنوية ( عن العرش والسماء كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى ) ولم يرد رفيع في أسمائه تعالى إلا مقيدا بمضاف إليه وهو الدرجات . وقال أبو منصور البغدادي : تفسير رفيع الدرجات فيما يليه وهو ذو العرش لأن العرش هو الدرجات الرفيعة إذ لا جسم أعلى من العرش ، وليس معنى رفيع الدرجات كونه على درجات مرتفعة لأنه يستحيل كونه في مكان ، لكن معناه أنه رفيع العرش أي أن العرش الرفيع له وهو خالقه ومالكه فهو بأن يكون مالكا خالقا لما دونه أولى اه . ولا يخفي ما فيه من التكلف ، وسياق المصنف يأباه كذلك فتأمل . ( وهو مع ذلك قريب من كل موجود ) وإطلاق لفظ القريب عليه تعالى دل عليه في القرآن قوله عز وجل :وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ[ البقرة : 186 ] ومعناه القرب على معنى العلم منه بعباده وبأحوالهم ، ( وهو أقرب إلى العبيد من حبل الوريد ) عرق بين الحلقوم والعلباوين وهو ينبض أبدا ، وهو من الأوردة التي فيها الحياة ولا يجري فيها دم ، بل هي تجاري النفس بالحركات قاله الفراء كما في المصباح ، وهذا معنى قوله تعالى :وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ[ ق : 16 ] أي أعلم منه بنفسه وقوله عز وجل لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم :وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ[ العلق : 19 ] دليل على أن المراد به قرب المنزلة لا قرب المكان كما زعمت المجسمة أنه مماس لعرشه إذ لو كان كذلك لازداد بالسجود منه بعدا لا قربا ( وهو على كل شيء شهيد ) أي شاهد حاضر وحفيظ عالم لا يغيب عنه شيء ، فعلى هذا هو من صفاته الأزلية التي استحقها