تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
. . . . . . . . . .
شرح
من العلانية وصف ظاهر حسي الدليل على ذلك أنه جعل وصف الاثنين معنى واحدا ، ثم قال : والوجه الثاني من تأويل الخبر أن معنى قوله : « أو مسلم » يعني به أو مستسلم ، فإذا جمع بين عقود القلب وبين أعمال الجوارح كان مسلما مؤمنا ، ومن لم يقل بهذا الذي ذكرنا فقد كفر أبا بكر رضي اللّه عنه ، وجهله في قتال أهل الردّة وادعى عليه أنه قتل المؤمنين لأن القوم قد جاؤوا بعقود الإيمان ولم يجحدوا أكثر الأعمال ، وإنما أنكروا الزكاة فاستحل قتلهم وواطأه الصحابة حتى استتاب من رجع منهم . وأما حديث سعد الذي ظاهره أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فرّق بين المسلم والمؤمن ، فإنما فيه دليل على تقوية الإيمان والإسلام في التفاضل والمقامات ، أي : ليس هو من خصوص المؤمنين ولا أفاضلهم ، وكشف عن مقامه الذي خفي على سعد ، كما كشف عن مقام حارثة عن حقيقة إيمانه ، وكان خاملا لا يؤبه به ، فقال : كيف أصبحت يا حارثة ؟ فنطق بوجده عن مشاهدته فقال له : عرفت فالزم ، فهذا دليل لنا في تفضيل مقام الايمان على مقام الإسلام ، وأن المؤمنين متفاضلون في الإيمان وإن تساووا في أعمال الجوارح من الإسلام ، وأن الإيمان لا حدّ له وإن كان صحته بحدود الإسلام ، فآثر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الذي آمن طوعا على الذي آمن كرها . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم إنما يعطي المؤلفة الرؤساء ومن لا يؤمن عاديته وجمعه على المسلمين تحريضا للمشركين ، كما أكرم الرجل بعد ما تكلم فيه فقيل له في ذلك ؛ فقال : هذا أحمق مطاع ، فأما الأتباع والسفلة من المؤلفة فلم يكن يؤثرهم بالعطاء ، بل كان يؤثر المؤمنين ويقدمهم على أراذل المؤلفة وضعفائهم . قلت : وهذا التوجيه لا يكاد يصح لما قدمنا أن الرجل المبهم في الحديث المذكور هو جعيل بن سراقة الضمري من المهاجرين ومن أهل الصفة ولم يكن من اتباع المؤلفة ، ولو كان كما قال أنه من أراذل المؤلفة لم يسع سعدا رضي اللّه عنه كثرة المراجعة والتكرار مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في شأنه وقوله فيه : هو أعجبهم إليّ فتأمل ذلك . ثم قال صاحب القوت : فإن قيل : قد روي في آخر هذا الحديث في بعض الروايات ما يرد على هذا التأويل ، فإن الرجل كان فاضلا لا أنه كان مستسلما وهو أن في الحديث قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إني لأعطي قوما وامنع آخرين أكلهم إلى ما جعل اللّه في قلوبهم من الإيمان » قيل : إن هذا كلام مستأنف من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إفادة للقائل لأنه بعث بجوامع الكلام ، وكان يسأل عن الشيء فيخبر به ويزيد عليه للبيان والهداية الذي أعطي فكأنه أراد أن يخبر بتنويع العطاء وبضروب المعطين من الناس هذا للحاجة وهذا للفضل ، وهذا للتأليف لا أن الذي منعه كان أفضل من الذي أعطاه ، إذ لو كان الأمر كما قال هذا القائل كان الإسلام أفضل من الإيمان ولكان المسلمون أفضل من المؤمنين ، ولم يقل هذا أحد من العلماء لأن الايمان خاص فبه التفاوت والمقامات فهو مشتمل على الإسلام والإسلام داخل فيه ، والمؤمنون هم خصوص المسلمين ومنهم المقربون والصديقون والشهداء ، والإسلام عمل محدود يوصف به عموم المؤمنين ويدخل فيه