تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
اللغة ، لأن الإيمان عمل من الأعمال وهو أفضلها ، والإسلام هو تسليم إما بالقلب وإما باللسان وإما بالجوارح ، وأفضلها الذي بالقلب وهو التصديق الذي يسمى ايمانا والاستعمال لهما على سبيل الاختلاف . وعلى سبيل التداخل ، وعلى سبيل الترادف كله غير خارج عن طريق التجوّز في اللغة . أما الاختلاف فهو أن يجعل الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب فقط ، وهو موافق للغة ، والإسلام عبارة عن التسليم ظاهرا وهو أيضا موافق للغة ، فإن التسليم ببعض محال التسليم ينطلق عليه اسم التسليم ، فليس من شرط حصول الاسم عموم المعنى لكل محل يمكن أن يوجد المعنى فيه ، فإن من لمس غيره ببعض بدنه يسمى لامسا ، وإن لم يستغرق جميع بدنه ، فإطلاق اسم الإسلام على التسليم الظاهر عند عدم تسليم الباطن مطابق للسان وعلى هذا الوجه جرى قوله تعالى :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
[ الحجرات : 14 ] ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث سعد : « أو
شرح
الشرع لا يوجد بدون الإيمان وهو في الآية بمعنى الانقياد الظاهر من غير انقياد الباطن . ولنعد إلى حل عبارة المصنف رحمه اللّه تعالى قال : ( وهو ) أي وروده على سبيل التداخل ( أوفق الاستعمالات في اللغة ) وفي بعض النسخ : لاستعمالات اللغة ، وإنما كان أوفق ( لأن الإيمان عمل من الأعمال وهو أفضلها ) أي الأعمال ، ( والإسلام هو تسليم إما بالقلب ) وهو الاعتقاد الجازم ، ( وإما باللسان ) وهو الاقرار ، ( وإما بالجوارح ) وهو العبادات ، ( وأفضلها ) أي تلك الثلاثة ( الذي بالقلب وهو التصديق الذي يسمى ايمانا ) . وإلى هذا أشار صاحب القوت فيما تقدم من تقريره ( والاستعمال لهما ) أي للإسلام والايمان ( على سبيل الاختلاف وعلى سبيل التداخل وعلى سبيل الترادف كله غير خارج عن طريق التجوّز في اللغة ) أي : أن اللغة العربية لاتساعها تجوز إطلاق كل ما ذكر في محالها . ( أما الاختلاف فهو أن تجعل الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب فقط ) أي قبول القلب وإذعانه لما علم بالضرورة أنه من دين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من غير افتقار إلى نظر واستدلال ، وهو المختار عند جمهور الأشاعرة ، وبه قال الإمام أبو منصور الماتريدي ، ( وهو موافق للغة ) إلا أنه في اللغة عبارة عن مطلق التصديق ، وكونه عبارة عن تصديق بالقلب نقل عن مفهومه اللغوي ( و ) أن يجعل ( الإسلام عبارة عن التسليم ظاهرا ) وهو الاستسلام والانقياد ( وهو أيضا موافق للغة ، فإن التسليم ببعض محال التسليم ينطلق عليه اسم التسليم ) ويتناوله ، ( فليس من شرط حصول الاسم ) من الأسماء ( عموم المعنى ) وشموله ( لكل محل يمكن أن يوجد ) ذلك ( المعنى فيه ، فإن من لمس غيره ببعض بدنه يسمى لامسا ) لغة ( وإن لم يستغرق ) باللمس ( جميع بدنه ، فإطلاق اسم الإسلام على التسليم الظاهر ) فقط ( عند عدم تسليم الباطن مطابق للسان ) ولو من وجه . ( وعلى هذا الوجه جرى قوله تعالى :قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا ) قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا[ الحجرات : 14 ] ، فإن الإسلام انقياد ودخول في السلم وإظهار للشهادة
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 375 | مرتضى الزبيدي