والاستسلام بالإذعان والانقياد ، وترك التمرد والإباء والعناد وللتصديق محل خاص وهو القلب ، واللسان ترجمانه . وأما التسليم ؛ فإنه عام في القلب واللسان والجوارح ، فإن كل تصديق بالقلب فهو تسليم وترك الاباء والجحود ، وكذلك الاعتراف باللسان وكذلك الطاعة والانقياد بالجوارح . فموجب اللغة أن الإسلام أعم والإيمان أخص ، فكان الإيمان عبارة عن أشرف أجزاء الإسلام ، فإذا كل تصديق تسليم وليس كل تسليم تصديقا .
شرح
فعلى الأوّل كان المصدق جعل الغير آمنا من تكذيبه ، وعلى الثاني كان المصدق صار ذا أمن من أن يكون مكذوبا وباعتبار تضمنه معنى الاقرار والاعتراف يتعدى بالباء كما قال تعالى :آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ[ البقرة : 285 ] وباعتبار تضمنه معنى الإيمان والقبول يعدى باللام ، ومنه :فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ[ العنكبوت : 26 ] والحكم الواحد يقع تعليقه بمتعلقات متعددة باعتبارات مختلفة مثل ( آمنت باللّه ) أي بأنه واحد متصف بكل كمال منزه عن كل وصف لا كما فيه و ( آمنت بالرسول ) أي بأنه مبعوث من اللّه صادق فيما أخبر به و ( آمنت بالملائكة ) أي بأنهم عباد اللّه المكرمون ، و ( آمنت بكتب اللّه ) أي بأنها منزلة من عنده ، ( والاسلام عبارة عن التسليم ) هو ترك الاعتراض فيما لا يلائم ، ( والاستسلام ) هو الانقياد الظاهر فقط والدخول في السلم ( بالاذعان والانقياد ) أي الانجذاب بالباطن ( وترك التمرد ) والعتوّ ( والإباء ) أي الكراهة والامتناع ( والعناد ) ، وهو المبالغة في الاعراض ومخالفة الحق ، ( وللتصديق ) المتقدم ( محل خاص ) يحل به ( وهو القلب ) الصنوبري ، ( و ) أما ( اللسان ) فإنما هو ( ترجمانه ) الذي يعبر عن ذلك المعنى القائم بالقلب ، ( وأما التسليم ) المذكور ( فإنه عام في القلب واللسان والجوارح ، فإن كل تصديق بالقلب فهو تسليم وترك الاباء والجحود ) أي الإنكار ، ( وكذلك الاعتراف باللسان ) أي الإقرار ، ( وكذلك الطاعة والانقياد بالجوارح فموجب اللغة ) بفتح الجيم . ( إن الإسلام أعم ) من الإيمان ( و ) أن ( الايمان أخص ) من الإسلام ، ( وكان الإيمان عبارة عن أشرف اجزاء الإسلام : فإذا كل تصديق تسليم وليس كل تسليم تصديقا ) .
قال الإمام السبكي : اشتهر المغايرة بالعموم والخصوص المطلق ، فكل إيمان إسلام ولا ينعكس ، ثم اختار أن الظاهر تساويهما أو تلازمهما بمعنى أن الإسلام موضوع لانقياد الظاهر مشروطا فيه الإيمان ، والايمان موضوع للتصديق الباطن مشروطا فيه القول عند الإمكان ، فثبت تلازمهما وتغايرهما . ولا يقال كل ايمان إسلام ولا كل إسلام إيمان ، ولا تنافي أن يكون المتباينان متلازمين لأن معنى التباين أن لا يصدقا على ذات واحدة وإن تلازما في الوجود . هذا في الإسلام المعتد به . وقول من قال : كل إيمان إسلام ولا عكس أطلق الإسلام على ما يعتد به وعلى ما لا يعتد به ، ثم فيه مع ذلك تجوّز ، وتحرير العبارة أن يقال : كل ايمان يلزمه الإسلام ولا ينعكس ، وأما قول من قال : كل مؤمن مسلم ولا ينعكس فإن جعلت الايمان لا يحصل مسماه إلا