تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
يتواصلان ، وقيل : إنهما شيئان ولكن يرتبط أحدهما بالآخر . وقد أورد أبو طالب المكي في هذا كلاما شديد الاضطراب كثير التطويل ، فلنهجم الآن على التصريح بالحق من غير تعريج على نقل ما لا تحصيل له ، فنقول : في هذا ثلاثة مباحث : بحث عن موجب اللفظين في اللغة ، وبحث عن المراد بهما في اطلاق الشرع ، وبحث عن حكمهما في الدنيا والآخرة ، والبحث الأول لغوي ، والثاني تفسيري ، والثالث فقهي شرعي . البحث الأول : في موجب اللغة ، والحق فيه أن الإيمان عبارة عن التصديق . قال اللّه تعالى :
وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا
[ يوسف : 17 ] أي ، بمصدق ، والإسلام عبارة عن التسليم
شرح
إنهما شيء واحد ) في المعنى والحكم يطلق أحدهما على الآخر ، ( وقيل : انهما شيئان ) مفترقان ( لا يتواصلان ) بل مستقلان بذاتهما ، ( وقيل : إنهما شيئان ولكن ) مع افتراقهما ( يرتبط أحدهما بالآخر . وقد أورد ) الإمام ( أبو طالب ) محمد بن علي بن عطية الحارثي البصري ( المكي ) في كتابه ( قوت القلوب ولذة المحب والمحبوب ) وقد تقدمت ترجمته في أوّل الكتاب ( في هذا ) الباب ( كلاما ) إلا أنه ( شديد الاضطراب ) والتدافع ( كثير التطويل ) بايراد العبارات وما كان كذلك فهو قليل الجدوى ، ( فلنهجم ) من الهجوم وهو الدخول مرة واحدة بسرعة ( على التصريح بالحق ) الصريح ( من غير تعريج ) أي ميل ( على نقل ما لا تحصيل له ) أي لا زبدة له ، ( فنقول : في هذا ) الباب ( ثلاث مباحث ) الأوّل : ( بحث عن موجب اللفظين في اللغة ) بفتح الجيم من الموجب ( و ) الثاني ( بحث عن المراد بهما ) في إطلاق الشرع ، ( و ) الثالث ( بحث عن حكميهما في الدنيا والآخرة ، والبحث الأوّل ) من ذلك ( لغوي ) لأنه يبحث فيه عن جوهر لفظيهما ، ( و ) البحث ( الثاني تفسيري ) لأنه يبحث فيه عن اطلاقات القرآن ، ( و ) البحث ( الثالث فقهي شرعي ) لأنه يبحث فيه عما يترتب على المتصف بهما ثوابا وعقابا .

[ البحث الأوّل : في موجب اللغة ]

البحث الأوّل : ( في موجب اللغة ) بفتح الجيم من أوجب عليه كذا ، فهو موجب ، والمعنى ما يوجبه اللغة إيجابا ، والموجب بالكسر هو الذي يجب صدور الفعل عنه بأن كان علة تامة له من غير قصد وإرادة ، وهذا هو الموجب بالذات ومثلوه بوجوب صدور الإحراق من النار ، ويراد بهذا المفهوم وهو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق ، ( والحق فيه أن الإيمان عبارة ) والعبارة ما استفيد من لفظ أو غيره مع بقاء رسم ذلك الغير ( عن التصديق ) هو أن تنسب باختيارك الصدق إلى المخبر أو المخبر عنه ، والصدق مطابقة القول الضمير والمعبر عنه معنى ، ثم استعماله في التصديق إما مجاز لغوي أو حقيقة لغوية أشار إليه السيد في حاشية الكشاف . ( قال اللّه تعالى ) في قصة اخوة سيدنا يوسف عليه السّلام :( وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ) وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ[ يوسف : 17 ] ( أي بمصدق ) فهذا هو مفهوم الإيمان لغة ، وهمزه آمن للتعدية أو الصيرورة ،