. . . . . . . . . .
شرح
قرشي شجاع موصوف بالعلم والديانة والصلابة ورباطة الجأش والعلم بتدابير الحروب والقيام بتهيئة الجيوش وتنفيذ السرايا ومعرفة سياسة العامة وتسوية أمور الرعية ، بل هو أكثرهم فضلا وأغزرهم علما وأوفرهم عقلا وأصوبهم تدبيرا وأربطهم عند الملمات جأشا وأشدهم على عدوّ اللّه إنكارا وإنكالا ، وأيمنهم نقية وأطهرهم سريرة وأعودهم على افناء الخلق نفعا ، وأطلقهم عن الفواحش نفسا ، وأصونهم عن القبائح عرضا ، وأجودهم كفا ، وأسمحهم ببذل ما احتوى من المال يدا ، وأقلهم في ذات اللّه مبالغة ، والاجماع حجة موجبة للعلم قطعا ، ثم الدليل من الكتاب قوله تعالى :قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ[ الفتح : 16 ] أمر اللّه نبيه أن يقول للذين تخلفوا من الأعراب عن الغزو معه ، ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ، وأشار في الآية إلى أن الداعي مفترض الطاعة ينالون الثواب بطاعتهم إياه ويستحقون التعذيب بعصيانهم إياه ، فإنه قال :فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً[ الفتح : 16 ] ، وهو أمارة كون الداعي مفترض الطاعة ، ثم السلف اختلفوا في المراد بقوله :أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ، *فقيل : هم بنو حنيفة ، وقيل : هم فارس . فعلى الأوّل كان الداعي إليهم أبا بكر رضي اللّه عنه ، فثبتت بذلك خلافته ، فإذا ثبتت خلافته ثبتت خلافة من استخلفه بعده وهو عمر رضي اللّه عنه ، وعلى الثاني فالداعي إليهم كان عمر رضي اللّه عنه فثبتت به خلافته وثبوت خلافته خلافة من استخلفه وهو أبو بكر رضي اللّه عنه ، فكان في الآية دلالة على خلافة الشيخين رضي اللّه عنهما ، فإن قالوا جاز أن يكون الداعي محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم أو عليا أو من بعد علي ؟ قلنا : لا يجوز الأول لقوله تعالى :سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ[ الفتح : 15 ] ، قال الزجاج وجماعة المفسرين : المراد بكلام اللّه هنا ما قال في سورة براءة :فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا[ التوبة : 83 ] ، وكذا الثاني لأنه قال تعالى في صفة هذه الدعوة :تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ[ الفتح : 16 ] ، ولم يتفق لعلي رضي اللّه عنه بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قتال بسبب طلب الإسلام ، بل كانت محارباته مع الناكثين والقاسطين والمارقين ، وكذا الثالث لأن عند الخصم هم الكفرة فلا يليق بهم قوله تعالى :فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً ،وإذا بطلت هذه الأقسام فلم يبق إلا أن يكون المراد أحد الأئمة الثلاثة .
فتكون الآية دالة على صحة خلافة هؤلاء الثلاثة ، ومتى صحت خلافة أحدهم صحت خلافة الكل كما هو تقريره ، فإن قالوا : الاجماع ليس بحجة ؟ قلنا : على التسليم فإن قول علي رضي اللّه عنه ورأيه حجة عندهم ، وقد ثبت بالنقل المتواتر الذي ينسب جاحده إلى العناد بيعته له واعترافه بخلافته ، فيكون قوله حجة كافية لصحة خلافته ، فإن قالوا : هذه الآية :إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ[ المائدة : 55 ] إلى آخرها نزلت في علي ، كما قاله أهل التفسير ، فصار المعنى إنما المتصرف فيكم أيتها الأمة اللّه ورسوله والمؤمنون الموصوفون بكذا وكذا ، والمتصرف في كل أمة هو الإمام ، وإنما للحصر فتنحصر الإمامة في علي . وقال عليه السّلام : « من كنت مولاه فعلي