تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
. . . . . . . . . .
شرح
بسبب القتال دون ما أتلفوه لا في القتال أو في القتال لا بسببه ، فإنهم ضامنون له ، ومن يرى الباغي مؤاخذا بذلك فإنما يجب على الإمام استيفاء ذلك منهم عند انكسار شوكتهم وتفرق منعتهم ووقوع الأمن له من إثارة فتنتهم ، ولم يكن شيء من هذه المعاني حاصلا ، بل كانت الشوكة لهم باقية والقوّة بادية والمنعة قائمة وعزائم القوم على الخروج على من طالبهم بدمه دائمة . وعند تحقق هذه الأسباب يقتضي التدبير الصائب الإغماض عما فعلوا أو الإعراض عنهم ، فهذا توجيه لعلي رضي اللّه عنه ذكره النسفي في الاعتماد ، لكن قال ابن الهمام في المسايرة : والأوّل يعني الذي ذكره المصنف أوجه لذهاب كثير من العلماء إلى أن قتلة عثمان لم يكونوا بغاة بل هم ظلمة وعتاة لعدم الاعتداد بشبهتهم ، ولأنهم أصروا على الباطل بعد كشف الشبهة ، فليس كل من انتحل شبهة صار مجتهدا . إذ الشبهة تعرض للقاصر عن درجة الاجتهاد . استطراد : اختلف أهل السنّة في تسمية من خالف عليا باغيا فمنهم من منع ذلك فلا يجوز اطلاق اسم الباغي على معاوية ويقول : ليس من أسماء من أخطأ في اجتهاده ، ومنهم من يطلق ذلك متشبثا بقوله عليه السّلام لعمار : « تقتلك الفئة الباغية » وبقول علي رضي اللّه عنه : إخواننا بغوا علينا . تفريع : اتفق أهل السنّة على أن معاوية أيام خلافة علي رضي اللّه عنهما من الملوك لا من الخلفاء ، واختلف مشايخنا في إمامته بعد وفاة علي رضي اللّه عنهما فقيل : « صار إماما انعقدت له البيعة ، وقيل : لا لما أخرج الترمذي من حديث سفينة رفعه : « الخلافة بعدي ثلاثون ثم تصير ملكا » . وعند أحمد وأبي يعلى وابن حبان بلفظ : « ثم ملك بعد ذلك » . وعند أبي داود والنسائي بمعناه ، وفي بعض الروايات : « ثم تصير ملكا عضوضا » والعضوض الذي فيه عسف وظلم كأنه يعض على الرعايا ، وقد انقضت الثلاثون بوفاة علي رضي اللّه عنه لأنه توفي في سابع عشر شهر رمضان سنة أربعين ، ووفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ثاني عشر شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وعشرة فبينهما دون الثلاثين بنحو نصف سنة وتمت ثلاثين بمدة خلافة الحسن بن علي رضي اللّه عنهما ، وينبغي أن يحمل قول من قال بإمامته عند وفاة علي ما بعده بقليل عند تسليم الحسن الأمر له ، ووجه قول المانعين لإمامته بعد تسليم الحسن له أن ذلك ما كان إلا لضرورة لأنه قصد قتاله وسفك الدماء إن لم يسلم له الحسن الأمر ، ولم يكن رأي الحسن القتال وسفك الدماء ، فترك الأمر له صونا لدماء المسلمين فظهر مصداق قوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما أخرجه البخاري من رواية الحسن البصري : سمعت أبا بكرة يقول : رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول : « إن ابني هذا سيد ولعل اللّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 353 | مرتضى الزبيدي