تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
ويعرض الدماء للسفك . وقد قال أفاضل العلماء : كل مجتهد مصيب . وقال قائلون : المصيب واحد ولم يذهب إلى تخطئة علي ذو تحصيل أصلا .
شرح
وصيانة دار الهجرة ، فقبل بعد شدة ، وإنما أجابهم علي في توليته خشية من الإمامة أن تهمل وهي من أمور الدين . وقد أخرج الطبري من طريق عاصم بن كليب الجرمي عن أبيه قال : سرت أنا ورجلان من قومي إلى علي فسلمنا عليه وسألناه فقال : عدا الناس على هذا الرجل فقتلوه وأنا معتزل عنهم ، ثم ولوني ولولا الخشية على الدين لم أجبهم . ( وظن معاوية ) رضي اللّه عنه ( تأخير أمرهم ) أي قتلة عثمان ( مع عظيم جنايتهم ) من هجومهم عليه داره وهتكهم ستر أهله ، ونسبوه إلى الجور والظلم مع تنصله من ذلك ، واعتذاره من كل ما أوردوه عليه ، ومن أكبر جنايتهم هتك ثلاثة حرم : حرمة الدم والشهر والبلد ( يوجب الاغراء بالأئمة ) بهتك حرمهم ، ( ويعرض الدماء للسفك ) أي يتخذون ذلك ذريعة للفتك والهتك والسفك ، فمعاوية طلب قتلة عثمان من علي ظانا أنه مصيب وكان مخطئا ، ( وقد قال أفاضل العلماء : كل مجتهد مصيب ، وقال قائلون ) منهم : ( المصيب واحد ولم يذهب إلى تخطئة علي ) رضي اللّه عنه ( ذو تحصيل ) ونظر في العلم أصلا ، بل كان رضي اللّه عنه مصيبا في اجتهاده متمسكا بالحق . اعلم أن المجتهد في العقليات والشرعيات الأصلية والفرعية قد يخطئ وقد يصيب ، وذهب بعض الأشاعرة والمعتزلة إلى أن كل مجتهد في المسائل الشرعية الفرعية التي لا قاطع فيها مصيب ، والتحقيق أن في المسألة الاجتهادية احتمالات أربعة . الأوّل : ليس للّه تعالى فيها حكم معين قبل الاجتهاد ، بل الحكم فيها ما أدى إليه رأي المجتهد فعلى هذا قد تنعقد الأحكام الحقة في حادثة واحدة ويكون كل مجتهد مصيبا . الثاني : أن الحكم معين ولا دليل عليه منه تعالى ، بل العثور على دفينة . الثالث : أن الحكم معين وله دليل قطعي . الرابع : أن الحكم معين وله دليل ظني . وقد ذهب إلى كل احتمال جماعة ، والمختار أن الحكم معين وعليه دليل ظني إن وجده المجتهد أصاب وإن فقده أخطأ ، والمجتهد غير مكلف بإصابته كما زعم بعضهم ممن ذهب إلى الاحتمال الثالث وذلك لغموضه وخفائه ، فلذلك كان المخطىء معذورا . فلمن أصاب أجران ولمن أخطأ أجر كما ورد في الحديث : « إن أصبت فلك عشر حسنات وإن أخطأت فلك حسنة » ، ثم الدليل على أن المجتهد قد يخطئ قوله تعالى :فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ[ الأنبياء : 79 ] إذ الضمير للحكومة أو الفتيا ، ولو كان كل من الاجتهادين صوابا لما كان لتخصيص سليمان بالذكر فائدة . وتوضيحه : أن داود عليه السّلام حكم بالغنم لصاحب الحرث وبالحرث لصاحب الغنم ، وحكم سليمان بأن تكون الغنم لصاحب الحرث ينتفع بها ، ويقوم صاحب الغنم على الحرث حتى يرجع كما كان ، فيرجع كل واحد على ملكه . وكان حكم داود عليه السّلام بالاجتهاد دون الوحي وإلّا لما