إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 346
الأصل السادس : أن الجنة والنار مخلوقتان . قال اللّه تعالى : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [ آل عمران : 133 ] ، فقوله تعالى : أُعِدَّتْ دليل على أنها مخلوقة فيجب اجراؤه على الظاهر إذ لا استحالة فيه ، ولا تنبيه : ورود الصراط هو ورود النار لكل أحد المذكور في قوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [ مريم : 71 ] ، وبذلك فسر ابن مسعود والحسن وقتادة ، ثم قال تعالى : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ، فلا يسقطون فيها وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [ مريم : 73 ] ، أي يسقطون وفسّر بعضهم الورود بالدخول ، وأسندوه إلى جابر رفعه أخرجه أحمد ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وأبو يعلى ، والنسائي في الكنى ، والبيهقي . فصل لم يذكر المصنف هنا الحوض وذكره في عقيدته الصغرى وهو حق من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا ، وجاء ذكره في الأخبار الصحيحة وعرضه وطوله وعدد أباريقه . يشرب منه المؤمنون بعد جواز الصراط على الصحيح كما ذهب إليه المصنف . وفي الحديث الذي يروى أن الصحابة قالوا : أين نطلبك يا رسول اللّه يوم المحشر ؟ فقال : « على الصراط فإن لم تجدوني فعلى الميزان ، فإن لم تجدوني فعلى الحوض » يلوح على الترتيب الصراط ثم الميزان ثم الحوض وهي مسألة توقف فيها أكثر أهل العلم . [ الأصل السادس : أن الجنة والنار مخلوقتان ] ( الأصل السادس : أن الجنة والنار ) حقان ممكنتان لأنه أمر ضروري من جهة العقل واقعتان لما دل به السمع وهو ضروري من الدين . إذ الكتاب والسنّة وآثار الأمة مملوءة بذكر ذلك ولا يتوقف فيه إلا كافر ، وأنهما ( مخلوقتان ) الآن . اتفق على ذلك أهل السنّة والجماعة عملا بالقرآن ، وما ورد في ذلك من الآثار ، ووافقنا في ذلك بعض المعتزلة كأبي علي الجبائي ، وأبي الحسن البصري ، وبشر بن المعتمر ، وقال بعضهم : كأبي هاشم ، وعبد الجبار وآخرين : إنما يخلقان يوم القيامة . قالوا : لأن خلقهما قبل يوم الجزاء عبث لا فائدة فيه فلا يليق بالحكيم ، وضعفه ظاهر لما تقرر من بطلان القول بتعليل أفعاله تعالى بالفوائد ، والدليل على وجودهما الآن ( قال اللّه تعالى : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [ آل عمران : 133 ] ، وفي النار : أعدّت للكافرين في آي كثيرة ظاهرة في وجودهما الآن ( فقوله تعالى : أُعِدَّتْ دليل على أنها مخلوقة ) الآن ، ( فيجب اجراؤه على الظاهر إذ لا استحالة فيه ) ، وكون الشيء مهيئا ومعدّا لغيره فرع وجوده ، وكذا قصة آدم وحواء اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما ، إلى أن قال : وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [ الأعراف : 19 - 22 ] ، وحمل مثله على بستان من بساتين الدنيا ، كما زعمه بعض المعتزلة يشبه التلاعب أو العناد ، إذ المتبادر من لفظ الجنة باللام العهدية في إطلاق