. . . . . . . . . .
شرح
تعالى :يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً[ المائدة : 15 ] فاللّه تعالى أعذر إلى الخلق ببعثة الرسل وقطع حجتهم عند ذلك وهي أنه لولا بعثة الرسل لتوجه لهم من حيث العادة المألوفة أن يقولوا عند نزول الشقاوة بهم : يا ربنا إنك ركبتنا تركيبا نسهو معه ونغفل جعلت فينا غضبا وشهوة ومكنت منا عدوا لنا حريصا على غوايتنا وإضلالنا ، فهلا أمددتنا بشخص من أنفسنا نسر به ولا نستوحش منه . ينبهنا إذا سهونا ، ويذكرنا إذا نسينا ، ويعلمنا إذا جهلنا ، ويمنعنا إذا اشتهينا ، ولما كان كذلك بعث اللّه الأنبياء لقطع هذه الحجة واضمحلالها على أنه لو لم يفعل ذلك لكان له ذلك . إذ هو يفعل ما يشاءلا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ[ الأنبياء :
23 ] .
فصل
ودليل الصوفي يقول : قد تحقق في نفس الأمر أن العلم على قسمين : قديم وحادث ، وإن شئت فقل فعلي وانفعالي ، وإن شئت فقل حصولي وانطباعي ، وإن شئت فقل ذاتي وعرضي . فالعلم الحصولي الذاتي القديم هو علم اللّه تعالى ، والإنفعالي والانطباعي العرضي الحادث هو علم العبد وحصول الكمال من حيث قضية الوجود الشامل للوجوب ، والإمكان إنما هو بحصول العلمين إذ الأمر في نفسه من حيث حقيقة الحقائق القابلة لذلك إعطاء ذلك ، فلا بد من ذلك . وقد تحقق وتبين تخصيص الواجب جل وعلا بالقديم من ذلك وتقديسه عن الحادث ، فلا بد للعلم الحادث من حامل له وهو العبد . قال تعالى :اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا[ الطلاق : 12 ] وقال تعالى :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ الذاريات : 56 ] والعبادة إنما هي علم وعمل ، فإذا لا بد من حصول العلم للعبد كما أعطته الحقيقة عينا . والآيات القرآنية علما ، ولما كان العلم الحادث حقيقة راجعة إلى حصول صور انفعالية مثالية تحصل بواسطة الحادث محادثة روحانية وموجبات قدسية نحو الجناب الاقدس جل وعلا ، فعند تمام المواجهة تحصل أنوار شعشعانية ، ثم حصول تلك الصور النورانية إنما هي بمحض المشيئة الإلهية كما دل عليه قوله تعالى :وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ[ البقرة :
255 ] وهي تتفاوت بحسب المواجهات والمواجهات بحسب المرتبة ، والحقيقة فمتى كانت حقيقة القابل في غاية البساطة والتمحيص من الغواشي الحجبية التي هي الأوهام وما يؤدي إليها والسلامة من التركيب المقتضى لذلك كان أقرب ، ومتى كانت الحقيقة على الضد من ذلك كانت أبعد وبينهما وسائط ، فإذا كل حقيقة إنما تمتد بما يناسبها ، وذلك الامتداد هو التنزل الوحيي والتعليم الإلهي ، ثم ذلك التعليم منه ما يخص ومنه ما يعم ، فكل صورة نورانية علمية حصلت في محل انبعث منها بحسب الإمداد الإلهي شعاع يقع ذلك الشعاع صورة علمية عن المحل المواجه لشطر محل تلك الصورة ثم من ذلك إلى آخره وهلم جرا . ثم ذلك الانبعاث قد يكون بواسطة لفظ أو رقم أو إشارة ، وقد يكون بغير واسطة بل إلهام بمجرد تصفية القابل ودفع المزاحم .