. . . . . . . . . .
شرح
مضين من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وأربعين من عام الفيل ، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة ، وقيل : خمس عشرة سنة ، وقيل : عشر سنين والأوّل أشهر . وقدم المدينة يوم الاثنين وهو الثاني من شهر ربيع الأول سنة أربع وخمسين من عام الفيل ، ومكث بها عشر سنين ، وتوفي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو ابن ثلاث وستين سنة في بيت عائشة رضي اللّه عنها يوم نوبتها يوم الاثنين أوّل يوم من شهر ربيع الأوّل ودفن ليلة الأربعاء .
وأما صفته صلّى اللّه عليه وسلّم وشمائله الزكية فليس بالطويل البائن ، ولا بالقصير المتردد ، ولا بالأبيض الأمهق ، ولا الآدم ، ولا بالجعد القطط ، ولا بالسبط كان رجل الشعر أزهر اللون مشربا بحمرة في بياض . كان وجهه القمر حسن العنق ضخم الكراديس ، أهدب الأشفار ، أدعج العينين ، حسن الثغر ، ضليع الفم ، حسن الانف إذا مشى يتكفأ كأنما ينحط من صيب ، وإذا التفت التفت معا جلّ نظره إلى الأرض ، كانت له جمة لم تبلغ شحمة أذنيه صلّى اللّه عليه وسلّم .
وأما أسماؤه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فهي كثيرة بلغت ألفا . وقد ألف الحافظ ابن دحية في ضبطها كتابا سماه ( المستوفى ) فيه مقنع لمن أراد التطلع بها والمنقول توقيفا ، فقد روى مالك وغيره رفعه ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لي خمسة أسماء أنا محمد ، وأنا أحمد ، وأنا الماحي الذي يمحو اللّه بي الكفر ، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي ، وأنا العاقب » . ومن أسمائه في القرآن : طه ويس والمدّثر والمزمّل وعبد اللّه والرؤوف والرحيم . ومن أسمائه أيضا : المقفى ، ونبي التوبة ، ونبي الملاحم ، والمتوكل صلّى اللّه عليه وسلّم تسليما .
ثم قال المصنف رحمه اللّه تعالى : ونعتقد أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أرسله اللّه تعالى ( خاتما للنبيين ) ، وهذا مما أجمع عليه أهل السنّة وثبت بالكتاب والسنّة ، فالكتاب قوله تعالى :وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ[ الأحزاب : 40 ] والسنة فما روي : « وإني لخاتم النبيين وآدم منجدل بين الماء والطين » وفي الصحيحين : « إن مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارا فكملها وأحسنها وترك فيها موضع لبنة فصار يقال ما أحسنها لو تمت فأنا اللبنة التي تمّ بها بناء الأنبياء » . ويروى أيضا « لا نبي بعدي » فقد جاء حديث الختم من طرق كثيرة بألفاظ مختلفة ، والإجماع فقد اتفقت الأمة على ذلك وعلى تكفير من ادّعى النبوّة بعده ، وبه يستدل المحدث . وأما الصوفي فيقول بذلك ويزيد بما يعطيه ذوقه ويشير إليه وجده ، ويلوح بأن بعثته صلّى اللّه عليه وسلّم جامعة لمعاني العلو بالظهور على ما هو فوق ذلك بإحاطته بكلية الكون أعلاه وأدناه وأوّله وآخره ، وكان له حظ من نبوّة كل نبي فكان بنبوّته الجامعة لخصوص أحوال الأنبياء بمنزلة الفطرة الانسانية الجامعة لخصوص أحوال الحيوان فكانت إحاطته بنبوّته بظهور كمال كلية الأمر ، فلم يبق وراءه أعلى فانجمعت طرفا سلسلة النبوّة والرسالة ، فكان خاتما لا نبي بعده إذ لا مرقى وراء أمره وهذا هو حقيقة الختم .
تنبيه :
يقال : خاتم بفتح التاء وبكسرها ، وقد قرىء بهما ، فالفتح بمعنى الختام والانتهاء ، والمعنى أنه انتهاء النبيين فهو كالخاتم والطابع الذي يكون عنده الانتهاء ، وإذا كان انتهاء النبيين كان انتهاء