تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
. . . . . . . . . .
شرح
والوجه الثالث : ولو سلمنا أن العقول تستقل بدركه جدلا ، فما المانع من أنبائهم بذلك للتنبيه على الغافلين ، والعقلاء مجمعون على تكرير المواعظ . والوجه الرابع : أن العقول تتفاوت فقد تستحسن جماعة فعلا ويستقبحه آخرون ، فالتفويض إليها يؤدي إلى فساد التقاتل والخراب للتنازع المؤدي إليهما ، والنهي المخبر به عنه النبي يحسم هذه المادة هذا وقد عرف مما سقناه من فوائد البعثة من الاهتداء إلى ما ينجي في الآخرة ، وبيان ما يقصر العقل عن دركه وتعاضد الشرع ، والعقل فيما أدركه العقل والتذكير والتنبيه ورفع الاحتمال فيما تردد فيه العقل ، وهذا القدر كاف في الرد على منكري البعثة كالبراهمة والصابئة حيث قالوا : لا فائدة فيها مع أن من فوائد البعثة تكميل النفوس البشرية بحسب استعداداتها المختلف في العلميات والعمليات ، وتعليم الأخلاق الفاضلة المتعلقة بصلاح الأشخاص ، والسياسات الكاملة المتعلقة بصلاح الجماعات من أهل المنازل والمدن ، وبيان منافع الأغذية والأدوية ومضارها التي لا تفي بها التجربة إلا بعد أدوار وأطوار مع ما فيها من الحظر . وما أورد المنكرون من أن البعث يتوقف على علم المبعوث بأن الباعث له هو اللّه تعالى ولا سبيل له إليه إذ لعله من إلقاء الجن فممنوع ، وسند المنع أولا انه قد ينصب الباعث تعالى للمبعوث دليلا يعلم به أن الباعث هو اللّه تعالى بأن يظهر له آيات ومعجزات ليس مثلها في شأن مخلوق تفيده هذا العلم ، وثانيا قد يخلق للمبعوث علم ضروري بأن الباعث له هو اللّه تعالى . فصل قال شارح الحاجبية : اتفق أهل السنّة والجماعة على أن بعثة الأنبياء جائزة عقلا وواقعة قطعا ، ثم في ذلك الوقوع حكمة بالغة ورحمة للعالم شاملة ، وأن حصول النبوّة لمن حصلت له بمجرد الاصطفاء الإلهي لا غير اما أنها جائزة عقلا فلأنه أمر لا يلزم منه محال لذاته ، وكل ما هو كذلك فهو جائز قطعا . أما الكبرى ، فمعلومة بالضرورة والصغرى كذلك ، ومن ادعى الإحالة للغير فالأصل عدمه وعليه بيانه . وأيضا ؛ الوقوع والعلم به ضروري تواترا ومشاهدة حتى من أنكر فهو مباهت كافر ليس معه كلام إلا ضرب عنقه لما انتهت إليه المسألة من الوضوح ، وأما أن وقوع بعثة الأنبياء لحكمة بالغة ورحمة شاملة ، فذلك واضح إما من حيث النظر الفكري ، ومرتبة الأشعري بعد أن تعلم أن حصول المصالح لوقوع الألطاف عقب شيء يقع في الوجود ، إنما هو بمحض الكرم والفضل والجود ، ولو شاء لم يكن ، ولكن سبقت الكلمة الإلهية بذلك وجرت السنّة الربانية على مقتضى ما هنالك سواء أدرك ذلك العقل بنظره أو فهمه من غيره فهو من وجوه كثيرة ، فلنقتصر على أكثرها ذكرا وأجمعها وهي ثلاث . أحدها : أن الشؤون الإلهية من الأسماء والصفات في غاية الخفاء عن العقل والصعوبة على الفهم تصوّرا وتصديقا . خصوصا الأسماء والصفات التي لا دلالة للآثار عليها ، ولما كان كذلك كان من حكمة اللّه وسعة رحمته وخفي لطفه أن بعث الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام فأنبؤا بأنباء اللّه
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 312 | مرتضى الزبيدي