. . . . . . . . . .
شرح
تعالى عن تلك الشؤون ، وفصلوا ذلك بعض تفصيل يطيق العقل إدراكه حتى وقف على ذلك تصوّرا وتصديقا وحصل له الكمال لعلم ذلك توفيقا أو تحقيقا .
ثانيها : أن العقل قاصر بنظره عن إدراك وقوع جائز وإن أدرك جوازه والكلام إنما هو في العلم بالوجود لا في الجواز إذ الجواز على الإجمال من سبيل الضرورة والكمال إنما هو في تحصيل العلم النظري ، فإذا كان العقل قاصرا عن إدراك الوقوع جاءت الأنبياء عليهم السّلام منبئين عن وقوع كثير من الجائزات التي حصل الكمال بعلمها كتفصيل أحوال المعاد ووقوعه ، خصوصا ما وقع من ذلك في نبوّة نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم .
ثالثها : أن الأحوال العارضة للإنسان لما كانت تنقسم بحسب الموافقة والمنافرة إلى خير وشر ، وبحسب ذلك تختلف السعادة والشقاوة بحسب المواطن الثلاث دنيا وبرزخ وأخرى ، وكان المقصود من الخير تحصيله ومن الشر تفويته ، وتحصيل الشيء أو تفويته فرع العلم به ، وكان العلم بالخير والشر في غاية الخفاء بل لا مجال للعقل في ذلك عندنا إذ الخير هو الحسن والشر هو القبح ، وقد تقدم أن ذلك بحسب تعلق الخطاب الإلهي لا غير ، ولما كان كذلك بعث اللّه الأنبياء عليهم السّلام فأنبؤا عن خير الأحوال في المواطن الثلاث فأمروا به ورغبوا فيه وعن شر الأحوال كذلك فنهوا عنه وحذورا منه اه .
فصل
اعلم أن البعثة لطف من اللّه تعالى ورحمة للعالمين لما فيها من حكم ومصالح لا تحصى ، فإن النظام المؤدي إلى إصلاح حال النوع على العموم في المعاش والمعاد لا يكمل إلا ببعثة الأنبياء ، فتجب على اللّه تعالى عقلا عند المعتزلة والشيعة لأنها من اللطف المقرب للإيمان ، واللطف واجب عندهم على اللّه عز وجل ، وعند الفلاسفة لكونها سببا للخير العام المستحيل تركه في الحكمة والعناية الإلهية ، وإلى هذا ذهب كثير من الماتريدية من أهل ما وراء النهر ، وقالوا : إنها من مقتضيات حكمة الباري فيستحيل أن لا يوجد كاستحالة السفه عليه كما أن ما علم اللّه وقوعه يجب أن يقع لاستحالة الجهل عليه ، وهذا المقول هو معنى قول المعتزلة بوجوب البعثة أو بوجوب الأصلح ، والمختار انها لطف من اللّه تعالى ورحمة منّ بها على عباده يحسن فعلها ولا يقبح تركها ، ولا يبتنى على استحقاق من المبعوث واجتماع شروط فيه كما زعمه الفلاسفة ، بل اللّه يختص برحمته من يشاء وهو أعلم حيث يجعل رسالاته كما في شرح المقاصد ، ومن هنا حملنا الوجوب وظاهره استحالة تخلفه على خلاف ظاهره ، ويمكن حمله على إرادة وجوب الوقوع لتعلق العلم القديم بوقوعه ، فإن ذلك لا ينافي امكانه في نفسه .
فصل
ودليل المحدث في هذا الأصل قوله تعالى :رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ[ النساء : 165 ] وقوله تعالى حكاية عن الكفرةلَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ[ طه : 134 ] وقوله