تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
. . . . . . . . . .
شرح
وبالجملة ؛ فهذا انبعاث الصور العلمية المتخصصة بالإرادة الأزلية هو حضرة الوجوب من حيث الوجود والوحدة الذاتية ، ومنتهى ذلك الانبعاث هو حضرة الوجود من حيث الإمكان ، والتحقق بوحدة الجمع ومقام الأحدية ، ولما كان الوجود الإمكاني العبدي على ثلاث مراتب علوي نوراني كالملائكة ، وسفلي جسماني كالجن ، ومتوسط بين الأوّل والثاني كالإنسان ، وكان الإنس على ثلاث مراتب : منهم من غلب عليهم حكم المرتبة العلوية وهم الكمل الباقون على حسن تقويمهم ، ومنهم من غلب عليه حكم المرتبة السفلية وهم الأشقياء المردودون إلى أسفل سافلين ، ومنهم من توسط بين المرتبتين وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ثم الكمل على قسمين منهم من هو في مرتبة الملائكة من كل الوجوه وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، وإنما كانوا بصورة البشر لتقرب المناسبة المتوقف عليها القبول من حيث النسبة الإلهية ومنهم من هو دون ذلك وهم الأولياء ، ولما كان التلقي إنما هو بحسب المواجهة والمناسبة كما أشرنا كان أوّل متلق من الحضرة الإلهية هم الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، اما بغير توسط الغير منهم البعض ، وإما بتوسط إذ هم متفاوتون في مراتبهم ، ثم الأولياء من الأنبياء بحصول المناسبة الخلقية تعليما ومن الملائكة إلهاما وتحدثا . قال عليه الصلاة والسّلام : « إن الملك يتكلم على لسان عمر وإنه كان فيمن قبلكم محدثون فإن يكن من أمتي منهم فعمر بن الخطاب منهم » . ثم المتوسطون من الأولياء تعلما بحسب حصول المناسبة العملية ، وأما الجن فتلقيهم تلقي استراق من الملائكة واستماع من الأنبياء أولا ومن الأولياء ثانيا ، وأما ما يظهر على بعض الذوات الإنسانية من غير متابعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فليس إلا من القرين الجني ، وإذا تقرر ذلك بان لك أنه لولا بعثة الأنبياء لم يكن من الجن والانس كمال علمي ؛ فقد اتضحت الحكمة وعمت النعمة ، واللّه أعلم . تكميل الأصل : اعلم أن النبوّة ليست صفة ذاتية للنبي كما صار إليه الكرامية لاستوائه مع الخلق في نوع البشرية ، ولا مكتسبة كما صار إليه الفلاسفة وقالوا : إنها ترجع إلى التخلي من الاخلاق الذميمة والتحلي بالأخلاق الكريمة إلى أن يصل العبد إلى حالة يتمكن بها من سياسة نفسه وغيره ، وإنما يرجع إلى اصطفاء عبد بأن يوحى إليه . قال اللّه تعالى :اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ[ الحج : 75 ] وقال اللّه تعالى :قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ[ الكهف : 110 ] فميز نفسه بالوحي ، فإن أمر مع ذلك بتبليغ الوحي كان رسولا ، كما قال تعالى :يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ[ المائدة : 67 ] فإذا كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا . وقد ميز الزمخشري الرسل عن الأنبياء بأن الرسل هم أصحاب الكتب والشرائع والنبيين هم الذين يحكمون بالمنزل على غيرهم مع أنهم يوحى إليهم كما قال تعالى :إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ[ المائدة : 44 ] وسمي نبيا لاخباره عن اللّه تعالى فيكون من الأنباء أو لرفعته فيكون من النبوة ، ولذلك قرىء مهموزا وغير مهموز وباللّه التوفيق .