تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
حيث قالوا : لا فائدة في بعثتهم إذ في العقل مندوحة عنهم لأن العقل لا يهدي إلى الأفعال المنجية في الآخرة ، كما لا يهدي إلى الأدوية المفيدة للصحة ، فحاجة الخلق إلى الأنبياء كحاجتهم إلى الأطباء ولكن يعرف صدق الطبيب بالتجربة ويعرف صدق النبي بالمعجزة .
شرح
من حكماء الهند يزعمون أنهم على دين إبراهيم عليه السّلام ، ( حيث قالوا ) باستحالة النبوّات عقلا . هكذا هو في كتاب الارشاد لإمام الحرمين ، واللمع له أيضا ، وأبكار الأفكار للآمدي ومن كتب الماتريدية العمدة للنسفي ، والبداية للصابوني ، وغير هؤلاء . وظاهر كلام الآمدي في غاية المرام يقتضي أن القائل بذلك بعض البراهمة فإنه بعد أن نقل عن البراهمة والصابئة القول بامتناع البعثة قال : إلا أن من البراهمة من اعترف برسالة آدم لا غير ، ومنهم من لم يعترف بغير إبراهيم اه . قالوا : ( لا فائدة في بعثتهم ) وإرسالهم ( إذ في العقل مندوحة عنهم ) أي سعة وغنية من ندحت الشيء وسعته أي إن كان ما جاءت به الرسل مما يدرك بالعقول لم يكن في إرسالهم فائدة وكان في قضايا العقول مندوحة عنهم ، وإن كان ما جاءت به غير مدرك بالعقل فلا يقبل ما يخالف العقل ، إذ هو حجة اللّه على خلقه وهذا باطل من وجوه . الأوّل : هو ما أشار إليه المصنف بقوله : ( لأن العقل لا يهدي ) وفي بعض النسخ : لا يهتدي في الموضعين ( إلى الأفعال المنجية في الآخرة ) أي أن حظ العقل منه الجوار ، وأما الوقوع فيوجد من الشرع ، فإن الحاجة إلى الرسل للأنباء عما بعد الموت من الحشر والنشر والثواب والعقاب والخلود في الدارين ، وحظ العقول من ذلك الجواز فقط ( كما لا يهدي إلى الأدوية المفيدة للصحة ) من المسمومات المهلكة إلا بالطبيب العارف بها ليميزها ويوقف عليها ، ( فحاجة الخلق إلى الأنبياء ) عليهم السّلام ( كحاجتهم إلى الأطباء ) إذ الرسالة سفارة بين الحق تعالى وبين عباده ليزيح بها عللهم فيما قصرت عنه عقولهم ، ( ولكن يعرف صدق الطبيب بالتجربة ) الصحيحة ، ( ويعرف النبي بالمعجزة ) الخارقة . والوجه الثاني : أن العقل وإن دل على اعتبار المصالح والمفاسد لا يستقل بإدراك كل الأمور ، لا سيما عند تعارضها بل يدرك البعض استقلالا ويقصر عن ادراك البعض فلا يهتدي إليه بوجه ويتردد في البعض فما استقل بإدراكه كوجود الباري وعلمه وقدرته عضده ما جاء به النبي وأكده ، فكان ذلك بمنزلة تعاضد الأدلة العقلية ، وما قصر عنه كالرؤية والمعاد الجسماني وقبح الصوم يوم كذا وحسنه في يوم كذا بينه النبي لقصور العقل عن إدراك ما ذكر ، وما تردد فيه العقل دون رجحان لأحد الطرفين عنده رفع الاحتمال فيه كشكر المنعم قبل ورود الشرع ، إذ يحتمل أن يمنع من الإتيان به ، لأنه تصرف في ملك اللّه سبحانه بغير إذن منه ، ويحتمل أن يمنع من تركه لكونه ترك طاعة وإن غلب ظن حسنه وكان قبحه متوهما قطع ما جاء به النبي مزاحمة الوهم فيه العقل .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 311 | مرتضى الزبيدي