الأصل التاسع : أنه ليس يستحيل بعثة الأنبياء عليهم السّلام - خلافا للبراهمة -
شرح
أحكام الشرع أعطتهم تلك القواعد الكلية . وقال الإمام أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى في الفقه الأبسط : لا يطلب اللّه لاحتياج من العباد شيئا إنما هم يطلبون منه الخير ، فأشار بقوله الأخير إلى أن تعليل الايجاب بالمنفعة ودفع الضرر مبني على كون أفعاله تعالى وأحكامه معللة بالأغراض ، وهو فاسد لاستلزام كونها علة لعلية الفاعلية والاحتياج إليها في العلية واللّه الغني عن العالمين .
والمحدث يقول : اتفق السلف الصالح على أنه تنزه عن ذلك ، وأما الصوفي فيقول : ترتيب المسببات عن أسبابها حكمة الأسماء الإلهية ، والمسببات وأسبابها مستوية بالنسبة إلى العلم والإرادة والقدرة ضرورة إمكانها المقتضي لتعلقها بذلك ، فما يصلح أن يكون مسببا عن شيء فمن حيث الحكمة الإسمائية حق ، وبهذا جاء الشرع . ومن حيث الصفات المقتضيات للتكوين فلا سبب ولا مسبب لوجود ظهور الكل عن سبب الكل ، فلم يبق السبب إلا من حيث ارتباط ظهور هذا عند ظهور هذا من حيث تعلق الأسماء بها على ما سبق به العلم . وقوله تعالى :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ الذاريات : 56 ] ، مع قوله تعالى :وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ[ الصافات : 96 ] ، يوضح لك المقصود فاعرفه . الثاني : ومما اتفق عليه أهل السنة والجماعة أن الصانع جل وعز خلقنا بمقتضى رحمته وكلفنا بمقتضى حكمته ، وجعل من أطاع له الجنة بمقتضى فضله ومن أبى له النار بمقتضى عدله من غير أن يكون طاعة المطيع علة لاستحقاق ماله جعل وإباية من أبي علة أيضا لما له جعل ، بل علة الجميع تخصيص إرادته وحكمته ومشيئته ، فلم تكن الأعمال إلا علامة لأربابها الذين خلقت فيهم على ما يؤول إليه أمرهم من سعادة أو ضدها . وقد اتفق حملة الشرع على أن الاعتماد على العمل شرك خفي ، ولو كانت الأعمال موجبة للثواب لكان الاعتماد عليها واجبا لا يكون مطلوب الترك والشرك مطلوب الشرك . وفي الفقه الأبسط للإمام أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى : وحق اللّه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، فإذا فعلوا ذلك فحقهم عليه أن يغفر لهم ويثيبهم عليه ، فأشار بالجملة الأخيرة إلى أن الأعمال لو كانت سببا موجبا للإثابة والعقاب لما تخلف ، واللازم باطل لثبوت العفو والمغفرة في البعض كما في التوبة اتفاقا ، وثبوت الهدم والاحباط عمن عاش على الكفر ثم آمن أو على الايمان ثم كفر ، واشتراط الموت على ذلك للاستحقاق يبطل الاستحقاق أصلا لعدم الشرط عند تحقق العلة وانقضاء العلة عند تحققه كما في شرح المقاصد ، والمحدث يتمسك بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لن يدخل أحدكم الجنة بعمله » قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : « ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمته » . والأحاديث في ذلك كثيرة . والصوفي يقول : من تحقق بعبودية نفسه على أنه لا شيء له يوجب الحظوة عند سيده إلا بفضله ، وإلّا لو كان شيء يوجب الحظوة غير الفضل لكان منازعا للسيد في سيادته فافهم ، واللّه أعلم .