. . . . . . . . . .
شرح
فصل
وهذا الدليل الذي سقناه في أوّل الأصل هو متمسك المحدث ، وأما الصوفي فيقول : الأفعال كلها نسبتان : نسبة التكوين ، ونسبة التكليف . أما نسبة التكوين ؛ فعامة لما تقدم من أن الأفعال كلها فعل اللّه تعالى ، وقد قال تعالى :إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[ النحل : 40 ] ، فالأفعال بهذه النسبة لا توصف بحسن ولا قبح لاستواء الإيجاد ، بل هي حسنة من حيث علم الفاعل وإرادته . وأما نسبة التكليف ؛ وهي الطلب : فهي مختصة بأفعال المكلف وهو الملك والجن والعاقل البالغ من الإنس ، ومن المعلوم أن الطلب للشيء فرع العلم به ولا علم بالحقيقة إلا للّه تعالى ، فلا تكليف ولا طلب إلا للّه تعالى ، وقد انقسمت التكاليف إلى طلب فعل وطلب ترك ، فما تعلق الطلب بفعله جعله الشارع حسنا يطلبه ، وما تعلق بتركه جعله الشارع قبيحا يطلب تركه ، وما لم يتعلق بتركه ولا بفعله جعله الشارع حسنا لسلامته من طلب الترك ، ولأنه يرجع إلى مطلوب الفعل بالنية . ولا شك أن العقل لا يهتدي لوقوع ممكن ، والأفعال كلها ممكنة أن تكون حسنة أو قبيحة باعتبار ما يعرض لها من تعلق الطلب ، وتعلق الطلب غيب فلا يعلم إلا بالتوقيف السمعي النبوي أو بما يؤول إليه ، فإذا الحسن والقبح لا يدرك بمجرد العقل فلا حسن ولا قبح عقلا وهو المطلوب ، واللّه أعلم .
تكميل :
قد بقي على المصنف ذكر معتقدين لأهل السنة والجماعة ، وهما مرتبان على إبطال التحسين والتقبيح العقليين . ونحن نذكرهما هنا لئلا يخلو كتابنا عن زوائد الفوائد فنقول : ومن معتقد أهل السنة والجماعة أن الصانع جل وعلا لا يفعل شيئا لغرض لأنه لو فعل لغرض لكان ناقصا لذاته مستكملا بغيره ، وهو محال لا يقال الغرض تحصيل مصلحة العبد لأنا نقول : تحصيل مصلحة العبد وعدم تحصيلها إن استويا بالنسبة إليه لم يصلح أن يكون غرضا ذاتيا للفعل لامتناع الترجيح بلا مرجح ، وإن لم يستويا بأن يكون تحصيل المصلحة بالنسبة إليه أولى لزم الاستكمال بما هو أولى بالنسبة إليه . وأيضا ؛ فقد ثبت أنه تعالى قادر على أن يفعل ذلك الغرض من غير واسطة فعل والعبث عليه محال إجماعا ، واتفق عليه أهل السنّة والجماعة إلا ما نقله الفخر الرازي عن أكثر الفقهاء من ظاهر قولهم حيث يشترطون في العلة الشرعية أن تكون بمعنى الباعث للشارع على شرع الحكم من جلب مصلحة ودفع مفسدة . والصواب : أن ما يقع من الفقهاء من الغرض والتعليل ليس كما يقع من المعتزلة ، فإن الذي يقع من الفقهاء في الأحكام الشرعية العملية لما يقولون مثلا : الحكم بالقصاص إنما ورد من الشارع للزجر عن القتل ، وهذا هو الغرض منه فحيث يطلقون ذلك فليس قصدهم بذلك أنه مما يجب أن يكون كذلك عقلا ، وإنما يعتقدون أن ذلك كذلك بجعل الشارع ، وأن الشارع جعل على سبيل التكرم والإحسان الأحكام مرتبطة إما بجلب مصالح العباد أو دفع مفاسدهم لا على جهة الوجوب العقلي واستقراء حملة الشرع . ذلك من تتبع